ما بين علي الطاهر واتفاق الإطار: صراع على الحدود البحرية قبل البرية (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
المنطقة على صفيح ساخن كما يقول المثل، ولم يعد ينقصها إلا صراع مستحدث بين تركيا والكيان الصهيوني، تسارعت خطواته في الأسبوع الماضي بعد قصف العدو لمطار أبو الظهور في ريف إدلب شمال سوريا، وأعاد هذا الموضوع الحديث عن الصراع التركي – الصهيوني في المنطقة.
بالتأكيد ليست غزة سبباً لهذا الصراع، ولا جنوب لبنان، وما يتعرضان له من تدمير وحشي، وقتل وإجرام صهيوني. إنما معظم الخبراء يضعون ذلك في سياق بسط السيطرة البرية والنفوذ البحري، علماً أن أهم نقطة نزاع تركي – صهيوني هي حوض البحر الأبيض المتوسط وما يحويه من طاقة بترولية وغازية. وقد انضم الكيان الصهيوني إلى قبرص واليونان في مشروع الشراكة على مشاريع ربط استراتيجية، مثل مدّ أنابيب الغاز الطبيعي وكابلات الكهرباء تحت البحر لربط حقول الطاقة في شرق المتوسط بأوروبا، وهو ما تعتبره تركيا تطويقاً لمجالها الجيوسياسي. وهي تسعى إلى مد نفوذها نحو سوريا برياً وبحرياً، وتحاول الضغط على لبنان لعدم الانضمام إلى اتفاقات الكيان الصهيوني وقبرص واليونان البحرية. لكن ما لنا وللدخول بين سلاطين تركيا وملوك بني إسرائيل، فما يهمنا هو كيف ينظر العدو الصهيوني إلى ثروات لبنان من الطاقة؟ وما سر الإصرار على احتلال علي الطاهر والبقاء في جنوب لبنان؟
تحولت تلة علي الطاهر إلى مركز اهتمام العالم، بعدما حاول جيش العدو الصهيوني بكل قوته العسكرية الوصول إليها وفشل في ذلك. وتتعدد التحليلات السياسية حول الهدف من احتلال هذه التلة. فبينما يعتبر البعض أنه في عمق هذه التلة توجد منشآت عسكرية للمقاومة، وأن هذه المنشآت تحتوي على مركز عمليات المقاومة في الجنوب، وتحوي أيضاً مقراً للطائرات المسيرة، إضافة إلى مئات الصواريخ بعيدة المدى والدقيقة، لذا يرى العدو مصلحة عسكرية كبرى في السيطرة عليها، وهو روّج أمام مستوطنيه أن السيطرة على هذه التلة ستضمن أمن مستوطناته في الشمال وصولاً إلى الداخل.
يعتبر البعض أن ما يقال عن أهمية هذه المنشأة عسكرياً ليس دقيقاً، فقد سبق للعدو أن دخل إلى منشآت مماثلة في المناطق التي سيطر عليها في الجنوب، ولم يجد فيها ما كان يتوقعه، وقام بتفجيرها. مع العلم أنها أصبحت من دون فائدة عملية طالما أنه دخل إليها وعرف كل أسرارها. وأن العدو الصهيوني قد ضخم هذا الموضوع بشكل كبير، ليعتبر أن السيطرة عليها هو إنجاز عسكري وسياسي كبير، يستطيع نتنياهو أن يوظفه في الانتخابات المقبلة، فيما يرى البعض الآخر أن سيطرة العدو الصهيوني على هذه التلة ستعني ضربة عسكرية قاصمة للمقاومة، وستؤدي إلى ترسيخ صورة هزيمة لا يمكن محوها من ذاكرة المقاومة وبيئتها، وبالتالي سترضخ لمطالب العدو الصهيوني لا محالة، ولن تجد خياراً سوى تسليم سلاحها والدخول تحت جناح الدولة. ويرجح البعض أن السيطرة على التلة والمرتفعات المحيطة بها يضع منطقة النبطية وجوارها تحت نظر جيش العدو بشكل مباشر، وأن الطريق إلى النبطية سيصبح مفتوحاً عندما يقرر جيش العدو الدخول إليها.
والبعض يحلو له أن يربط تلة علي الطاهر بما يجري من مفاوضات بين إيران وأمريكا، ويعتبر أن علي الطاهر قد أصبحت نقطة صراع إقليمي، خصوصاً أن أصواتاً إيرانية أكدت على أن المقاومة خط أحمر. وهو ما عبر عنه سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني بالقول: “أن بيروت والجنوب اللبناني يُعتبران (خطاً أحمر) بالنسبة لبلاده، مؤكداً أن طهران سترد بقوة على أي هجمات عسكرية إسرائيلية تستهدف الأراضي اللبنانية، أو تشكل انتهاكاً للقواعد والأوضاع القائمة”.
تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني، وأركان حكومته وقادة جيشه، وكثير من قادة المعارضة، يجمعون على عدم الانسحاب من المناطق المحتلة في الجنوب تحت أي عنوان، وتحت أي ظرف من الظروف. وهم لا يقيمون أي اعتبار لاتفاق الإطار الذي وقعته السلطة في لبنان، بل ويصرحون أن هذا الاتفاق لا يلزمهم بذلك. وحتى على التفسير اللبناني الساذج فستستمر حجج العدو الصهيوني لسنوات وسنوات، والوقوف عند كل تفصيل صغير لأشهر. وهذا يعني فعلاً تثبيتاً لأمر واقع، وسيطرة دائمة على مناطق الجنوب المحتلة.
ما ذكرناه عن الآراء حول أهمية تل علي الطاهر صحيح كل من زاوية نظره، والمجموع العام صحيح أيضاً. لكن ما يلفت النظر أن وصول العدو الصهيوني إلى بلدة زوطر الشرقية، يُظهر حسب الخرائط، أنه قد قطع تقريباً نصف المسافة من الحدود اللبنانية الشرقية باتجاه الغرب أي حتى البحر، وأن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر ستفتح الطريق أمامه لاستكمال قضمه للجنوب وصولاً إلى منطقة الزهراني، وتحقيق الحلم الصهيوني التاريخيّ. لكن ماذا سيعني ذلك عملياً؟
كان حلم ديفيد بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني وموشيه شاريت وغولدا مائير وكل رؤساء حكومات العدو الصهيوني وصولاً إلى مناحيم بيغن، يتطابق مع النظرة الدينية عند المتطرفين اليهود بتحقيق (إسرائيل الكبرى). وإن ذلك سيترافق مع السيطرة العملانية على البلوكات النفطية 8 و 9 و 10 والتي تبدأ حدودها عند نقطة الزهراني وتنتهي عند الحدود مع فلسطين المحتلة. ومن هنا جاءت دعوة إيلي كوهين وزير الطاقة الصهيوني الذي أعلن صراحة أن إسرائيل تدرس بجدية إلغاء الاتفاقية البحرية مع لبنان، واصفاً إياها بغير الشرعية. أما بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الذي انتقد الاتفاقية بشدة منذ توقيعها، واعتبرها تنازلاً وخضوعاً للمطالب اللبنانية، فقد لوّح بإلغائها في أكثر من محطة سياسية وعسكرية، فيما اعتبر وزير المالية سموتريتش أن البيئة السياسية والأمنية بعد المواجهات العسكرية جعلت الاتفاق القائم بصيغته التقنية غير ملبٍ لمصالح تل أبيب.
لو نجح العدو الصهيوني في استكمال هجومه على لبنان، ولم يتعثر في أماكن كثيرة، بعدما تصدت له المقاومة، لكان ما يحلم به بن غوريون قد اقترب من التحقق. لكن التصدي البطولي لمجاهدي المقاومة أيقظ الصهاينة من هذا الحلم على وقع تكاليف عسكرية وبشرية باهظة الثمن، من الصعب على أي مسؤول صهيوني أن يتحملها على أبواب انتخابات برلمانية أصبحت قريبة جداً.
وفي الفترة الأخيرة بدأت الأصوات تعلو في الكيان الغاصب للسيطرة على جنوب لبنان وصولاً إلى منطقة الزهراني، وليس الليطاني كما كان يروّج سابقاً. وها هي منظمة (أوزي تسافون) قد جعلت ذلك هدفاً لها، ويؤيدها أعضاء كثر من حزب الليكود، وهو حزب نتنياهو، وهو يحتاج إلى أصوات هذه الحركة كما أصوات غيرها من المتطرفين اليهود.
بن غوريون لم يكن يومها الوحيد الذي طالب بضم جنوب لبنان إلى الكيان الصهيوني، بل كان لهذا الأمر مؤيدون لبنانيون يريدون أن يتخلصوا من الجنوب وأهله، وقد بيّنت الوثائق أسماء الكثير منهم. فهل هناك اليوم من تراوده نفسه في ترك مصير الجنوب معلقاً على همجية العدو وطغيانه، وأطماعه التوسعية وهو يبذل جهده لتحقيق حلم بن غوريون؟
إن ما يفعله جيش العدو من تدمير شامل لكل سبل الحياة في مناطق سيطرته في الجنوب، وسكوت السلطة على ذلك، وتأكيد قادة العدو على عدم الانسحاب، وإصرار سياسيها على احتلال علي الطاهر والمرتفعات المشرفة على منطقة النبطية وجوارها، يشي بأن خيوط مؤامرة كبيرة تحاك على الجنوب اللبناني، خصوصاً بعد توقيع السلطة في لبنان اتفاق الإطار مع العدو الصهيوني مع ما عنى ذلك من تنازل عن سيادة لبنان على أرضه وشعبه، والرضوخ لمطالب العدو حتى التفصيلية منها. كل ذلك ينبئ أن العدو الصهيوني مستمر في مخططه، وليس بصدد التراجع عنه. وهنا يجدر الحديث عن الملحق الأمني لتفاهم الإطار، وما الذي منع لبنان من نشره وإعلانه؟ وهذا ما يثير الشك والريبة في ما تنازلت عنه السلطة اللبنانية للعدو الصهيوني.
لم يجد العدو الصهيوني سلطة لبنانية متساهلة معه عبر تاريخ لبنان أكثر من هذه السلطة الموجودة حالياً، وهي سلطة مستعدة للتنازل عن كل ما يطلبه الصهيوني، ويأمر به الأمريكي. لكن يبقى أن ذلك كله سيبقى مجرد حلم، طالما أن المقاومة وشعبها بالمرصاد لأي تقدم صهيوني. وأثبتت الأيام والأسابيع الماضية أنها ما زالت يقظة ومتنبهة لكل ما يُحاك من مؤامرات داخلية وخارجية. وهي ستبذل أغلى ما عندها لتصد العدوان، وتوقع به الخسائر الجسام، وتحبط مشاريعه التوسعية، وتصليه ناراً وقودها جنوده ودباباته. إن صمود وثبات بيئة المقاومة على هذا النهج، والثمن الذي تدفعه والتضحيات الكبيرة التي تقدمها، ستفشل كل مخططات العدو وأحلامه وتمنياته، وسيبقى الجنوب رمزاً للفداء والتضحية والكرامة.



