سياسة

نتنياهو في واشنطن: لقاء المصالح الشخصية مع ترامب (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

 

مرّت حوالي سبعة أشهر على آخر زيارة لنتنياهو إلى واشنطن. كان ذلك في التاسع والعشرين من كانون الأول الماضي. كانت التهديدات الأمريكية والصهيونية ضد إيران قد بلغت أوجها، وكان البند الأساسي على طاولة البحث هو بند الحرب على إيران. يومها تحدث ترامب عن إمكانية مشاركة أمريكا في الضربات العسكرية على إيران، فقد كانت الأجواء السياسية تُشير إلى أن الحرب لا مفر منها وهي آتية لا محالة. يومها اصطحب نتنياهو معه بعض قياداته العسكرية وشرح أمام ترامب الخطط العملياتية للهجوم على إيران، كل ذلك لإقناع ترامب بالمشاركة في الهجوم على إيران، وهو ما حصل عليه نتنياهو بعد تلك الزيارة.

 

في ذلك الوقت كان نتنياهو منتشياً بفائض القوة الذي يملكه، فهو قد هزم حماس في غزة، ووجه ضربات عنيفة وقاسية للمقاومة في لبنان، وقد أنهى القدرات العسكرية السورية، وسلاحه الجوي يسرح ويمرح في أجواء تلك الجبهات، ويضرب أنى شاء. لذا كان يبدو واثقاً من نفسه في ما يقوله عن النجاح في ضرب إيران والقضاء على النظام في أربعة أو خمسة أيام إذا شاركت أمريكا في المعركة. اليوم وبعد مرور خمسة أشهر على بدء الحرب يبدو أن حسابات حروب نتنياهو لم تتوافق مع بيادر إيران الشاسعة. وقد مرّت العلاقة بين نتنياهو وترامب خلال هذه الفترة بالكثير من المطبات والصعوبات، لذا قيل إن ترامب رفض استقبال نتنياهو خلال هذه الأشهر الخمسة لشعوره أنه قد تعرض للخديعة وسوء التقدير في الحرب على إيران.

 

اللقاءات السابقة بين نتنياهو وترامب كانت جداولها متخمة بالحروب وبالقضايا المهمة والحساسة، لكن زيارة اليوم لا تبدو كذلك، إذ لا جدول أعمال واضحا لها، وأن سبب الزيارة كما ذكر هو مشاركة نتنياهو في تشييع صديق الكيان الصهيوني ليندسي غراهام، وهو سيلتقي ترامب، وكأن اللقاء هامشي أو أن ترامب وافق عليه مرغماً. حتى نتنياهو لم يبدُ متفاخراً عند الحديث عن زيارته إلى واشنطن فقال: “سأشارك في تشييع غراهام وسألتقي الرئيس ترامب”. إذاً لا قضايا كبرى وحساسة ومهمة على جدول الأعمال. حتى موضوع إيران ذكره نتنياهو عرضاً عندما قال: “سنتحدث في كل الملفات ومن ضمنها إيران”. لكن الصحافة وتصريحات بعض المسؤولين الصهاينة تُشير إلى مواضيع عديدة قد تُطرح في هذا اللقاء.

 

أولاً: موضوع الانتخابات الصهيونية والأمريكية. فنتنياهو يعرف أن دعم ترامب لا بد منه للفوز بالانتخابات المقبلة والبقاء في رئاسة الوزراء، فهو مجبر على مراضاة ترامب بعد فترة الجفاء بينهما وبعد تحميله مسؤولية توريط أمريكا في الحرب على إيران.

 

ثانياً: موضوع المحكمة الجنائية خصوصاً بعد تصريح عمدة نيويورك زهران ممداني عن إمكانية اعتقال نتنياهو إذا دخل نيويورك، والذي عاد وتراجع عنه بعد ضغط اللوبي الصهيوني وجمهوريي الكونغرس الأمريكي. لكن هذا الموضوع يثير حساسية عالية عند نتنياهو، علماً أن يوم الجمعة الماضي تمت إقالة مدعي عام المحكمة الجنائية كريم خان والتي أصدرت أحكامها بحق نتنياهو وغيره من القادة الصهاينة، وبالتأكيد تمت الإقالة بضغط من أمريكا، وحماية لنتنياهو وقياداته العسكرية والقيادات العسكرية الأمريكية. فسيسعى نتنياهو لإلغاء أي أحكام ضده، وهذه من الأوراق التي سيبتزه بها ترامب.

 

ثالثاً: موضوع محاكمة نتنياهو بقضايا الفساد والرشوة والاحتيال وخيانة الثقة، وهي المحاكمة التي استمرت منذ ست سنوات. أنهى نتنياهو شهادته فيها الشهر الماضي، وهو بانتظار الحكم، وسبق لترامب أن سعى لدى رئيس كيان العدو لإصدار عفو عنه، لكنه لم يستجب لمطالبته واشترط اعتراف نتنياهو بما اقترفه. ويرى نتنياهو أن السبيل الوحيد للخروج هو مزيد من الضغط من ترامب، أو ضمان البقاء في رئاسة حكومة العدو، والأمران قد تكون الكلمة الأخيرة فيهما لترامب.

 

رابعاً: موضوع غزة الذي ما زال نتنياهو يماطل به ويمنع تقدمه، لكن اللافت أنه خلال اليومين الماضيين صادق الكنيست الصهيوني على إدخال قوات متعددة الجنسيات إلى غزة، فيما اعتبر أنه بادرة جيدة من نتنياهو باتجاه ترامب قبل اللقاء. لكن مقابل ذلك سيطلب نتنياهو واليمين المتطرف من حوله من ترامب إطلاق يد الجيش الصهيوني في الضفة الغربية. وقد كان نتنياهو صريحاً في حديثه عندما قال: “جاهزون للعمل بشكل أوسع ضد خلايا الإرهاب في الضفة الغربية ووزير الدفاع سيفصل في هذا الأمر”. إذاً مقابل التجاوب المحدود في غزة يريد نتنياهو حرية العمل في الضفة، وهو يعلم أنها قد تكون الساحة الوحيدة التي يتحرك بها وتستقطب تأييداً شعبياً على أبواب الانتخابات. علماً أن آخر انتشار للكتائب الصهيونية منذ يومين كان على النحو الآتي: 26 كتيبة في الضفة الغربية، 8 كتائب في لبنان، و5 كتائب في غزة، وهذا ما يؤكد أن أمراً ما يُحضر للضفة الغربية.

 

خامساً: تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو الطرح الذي سبق أن أدلى به نتنياهو منذ أسبوعين، وهو سيسعى إلى إقناع ترامب بهذه الفكرة على أن يكون هو الرئيس المقبل للوزراء.

 

إن كل ما ذكر هي مصالح شخصية لنتنياهو سيحاول تسويقها لدى الإدارة الأمريكية عموماً ولدى ترامب خصوصاً، وهو يعرف أن هناك نقاط تباعد حصلت في الفترة الأخيرة بين المشاريع الأمريكية والمشاريع الصهيونية في المنطقة. فترامب يرى أن موضوع غزة قد نضج ويمكن الوصول به إلى خواتيمه، وموضوع لبنان أصبح تحت السيطرة الأمريكية من خلال مفاوضات واشنطن وبعد توقيع إطار التفاهم مع السلطة اللبنانية، وسوريا تحت المظلة الأمريكية. وقد طالب ترامب نتنياهو أكثر من مرة بالانسحاب من هذه المناطق الثلاث، وإفساح المجال للحلول السلمية التي ترعاها أمريكا، وقد رفض نتنياهو ذلك سابقاً، وهو أشار في حديثه الأخير إلى أنه عندما قال في مجلس الوزراء الصهيوني “إن الأمريكيين طلبوا منه سلسلة انسحابات من لبنان وغزة وسوريا، لكنه سيرفض هذا الأمر”.

 

ترامب بحاجة إلى تجاوب نتنياهو معه في هذه الأمور، وهو يريد تسويقها ضمن مشروعه الذي يسميه اتفاقات إبراهام، ليسجل أنه استطاع نشر السلام في المنطقة، مع أن الوقائع تدل على عكس ذلك، لكنه ما زال مصراً على المضي بهذا الأمر، وهو يعتقد أن ذلك سيكون له صدى مهم على الانتخابات النصفية المقبلة في أمريكا. وهو قد ربط المشروع النووي السلمي الأمريكي السعودي بموافقة السعودية على الانضمام إلى تلك الاتفاقات. نتنياهو لم يصرح بشيء حول هذا الأمر لكن المعارضة في الداخل الصهيوني رفضت الأمر جملة وتفصيلاً، فنفتالي بينيت وصف الاتفاق بأنه فشل استراتيجي خطير ويعرض أمن “إسرائيل” للخطر، فيما أفيغدور ليبرمان اعتبر أن هذا المشروع سينتهي بامتلاك السعودية للسلاح النووي، فيما أكد غانتس أن ذلك لن يخدم مصالح “إسرائيل”. ومن خلال تصريحات زعماء المعارضة يبدو أن هناك تخوفاً من مجاراة نتنياهو لترامب في هذا الموضوع.

 

تبدو الأمور أن جزءاً مهماً من اللقاء سيكون نقاشاً في المصالح الشخصية أكثر منه نقاشاً في القضايا السياسية والعسكرية. نتنياهو يريد ضمان البقاء في السلطة بأي ثمن، ويريد حلاً لمحاكمته في الداخل، وللقرارات الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية، وإطلاق يده في الضفة الغربية. فيما يريد ترامب من نتنياهو تسهيل اتفاقاته في غزة ولبنان وسوريا، ليبدو كصانع سلام، وليستثمر ذلك في الانتخابات النصفية التي قد يخسرها حزبه الجمهوري إذا استمرت الأمور كما هي عليه اليوم، عدا عن المشاريع الاقتصادية والنفطية التي ستكون من نصيب الشركات الأمريكية في كل تلك المناطق والدول.

 

يبقى الموضوع الذي لا يمكن القفز فوقه وهو موضوع إيران، فنتنياهو لم يستسغ اتفاق التفاهم بين أمريكا وإيران وسعى إلى إفشاله، وهو يريد إعادة فتح جبهة إيران على مصراعيها، بينما يرى ترامب أنه قد حان الوقت للخروج منها بأي ثمن، خصوصاً أن لها ارتدادات كبيرة على الناخب الأمريكي. وقد حاول ترامب خلال الأسبوعين الماضيين تشديد الضغط العسكري على إيران لعل ذلك يؤدي إلى تراجعها وقبولها بالتفسير الأمريكي لورقة التفاهم، لكن ذلك فشل فشلاً ذريعاً. فعاد إلى التهديد بالحرب الكبيرة والقاسية عليها، وهو ما لاقى صدى إيجابياً من نتنياهو وقادة الكيان الصهيوني. لكن ترامب حسم موضوع عدم مشاركة العدو الصهيوني لأنه لا يريد العودة إلى الحرب المفتوحة في المنطقة.

 

سرعان ما تراجع ترامب عن هذه التهديدات بحجة إفساح المجال أمام الدبلوماسية، ثم استجدى باكستان وقطر لإقناع إيران بالعودة إلى المفاوضات، وها هو يتوسل الصين للتوسط وإيجاد صيغة تحفظ ماء وجهه. لكن الصحيح أن كل القادة العسكريين الأمريكيين أشاروا له بأن الجيش الأمريكي ليس قادراً على الاستمرار في هذه المعركة المفتوحة، وأن مخزون الأسلحة الهجومية والدفاعية قد وصل إلى الخط الأحمر. ويبدو أن لا شيء لدى نتنياهو ليضيفه في موضوع إيران، فهو يعرف أنه قد ورط ترامب وأمريكا والعالم بهذه الحرب التي انقلبت عليهم جميعاً، وأن ترامب لن يسمح له بمزيد من التهور. لذا سيقف خلف ترامب في كل ما يقوله ويريده، وسيحاول اللعب على أن المطلوب تحسين شروط التفاهم، أو إلزام إيران بفهم مختلف لبنوده.

 

الخلاصة أن هذه الزيارة ليست كغيرها من الزيارات السابقة، فنتنياهو لم يعد مرحباً به من قبل ترامب كما في السابق، وهو ليس نتنياهو في زيارته الأخيرة التي كان مزهواً بها بانتصاراته على مختلف الجبهات. لذا أقصى ما يطمح له هو التملق لترامب لمساعدته في حل مشاكله الشخصية قبل السياسية، أو الطلب من أصدقائه في الكونغرس مخاطبة ترامب للتخفيف من ضغوطه عليه في هذه المرحلة. وترامب اليوم ليس ترامب ما قبل الحرب على إيران، فهو مثقل بالمشاكل الاقتصادية الداخلية، وتحت ضغط الانتخابات النصفية، وهمه الأساسي إيجاد حل للحرب على إيران التي هزت صورة أمريكا أمام العالم، وأظهرت نقاط ضعفها، وأصابت نرجسيته في الصميم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى