لماذا قصف قاعدة التنف ؟ وماذا سيطلب ترامب عون؟ (أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

كان مفاجئًا بيان قيادة الحرس الثوري في إيران الذي أعلن عن قصف قاعدة التنف الأمريكية في سوريا، خصوصًا في هذا الوقت الحساس الذي تتعرض فيه المقاومة في لبنان للكثير من الضغوطات الداخلية والخارجية. ومما جاء في البيان: “نفذنا هجومًا مفاجئًا على مركز قيادة أمريكي في منطقة التنف بسوريا . الهجوم أسفر عن تدمير منظومة رادار وعدد من المروحيات الخاصة بالعمليات الخاصة، ومقتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين، ثأرًا لدماء الجنود الذين قتلوا الليلة الماضية في إيرانشهر.
وللعلم فقاعدة التنف هي موقع عسكري استراتيجي يقع في محافظة حمص ضمن البادية السورية، عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، وتعتبر القاعدة مهمة جدًا لحركة القوات الأمريكية بين سوريا والأردن والعراق، وتقتصر عملياتها على شن هجمات خاصة على نقاط محددة في سوريا والعراق.
السؤال المهم، لماذا قصفت إيران هذه القاعدة في هذا الوقت، مع العلم أنها ليست ضمن خطط العمليات الهجومية على إيران؟ وما هي الرسالة التي تُريد إيران إرسالها إلى أمريكا وسوريا، وبطريقة غير مباشرة إلى تركيا؟.
النقطة الأولى في التوقيت، فقد جاءت بعد اجتماع أنقرة الذي التقى فيه الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومع الرئيس التركي رجب أردوغان، ومن هناك تحدث ترامب بصراحة عن إمكانية الطلب من الرئيس السوري المساعدة في ضرب حزب الله في لبنان.
النقطة الثانية تصريحات ترامب المتكررة حول هذا الموضوع.
التصريح الأول (16 يونيو 2026) على هامش قمة مجموعة السبع (جي7) في فرنسا، وفيه اقترح ترامب على العدو الصهيوني ترك سوريا تتولى أمر حزب الله، معتبرًا أن دمشق ستقوم بعمل أفضل، حيث قال: “اقترحت على (إسرائيل) أن تتولى سوريا أمر حزب الله، لأنني بصراحة أعتقد أنهم سيقومون بعمل أفضل”.
التصريح الثاني (17 يونيو 2026) بعد القمة مع الشرع في واشنطن. فقد أشار ترامب إلى أنه أجرى محادثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن هذا الملف، مشيدًا بالشرع بقوله: “لقد قام الرئيس السوري الحالي بعمل استثنائي، تمكن من توحيد البلاد في عام ونصف”.
التصريح الثالث (يوليو 2026) خلال مقابلة موسعة مع شبكة فوكس نيوز الأمريكية حيث كشف ترامب أنه يقترب من “تسليم ملف حزب الله لسوريا”، ومنح القوة للرئيس السوري أحمد الشرع، مشيرًا إلى أن الشرع سيتعامل مع الحزب بطريقة مختلفة، وسيكون أكثر دقة من (الإسرائيليين) دون الحاجة إلى تدمير المباني.
أما التصريح الرابع (8 يوليو 2026) فكان على هامش قمة حلف الناتو في العاصمة التركية أنقرة، حيث أكد ترامب ردًا على أسئلة الصحفيين أن سوريا قادرة على المساعدة ومواجهة الحزب، قائلًا: “أعتقد أن سوريا يمكنها المساعدة في لبنان إذا أرادت، ويمكنها المساعدة في مواجهة حزب الله”.
النقطة الثالثة التي تتناقلها الصحافة اللبنانية حول طمأنة القيادة السورية للسلطة اللبنانية أنها لن تتدخل في لبنان، وأن زيارة وزير الخارجية الشيباني جاءت في هذا الإطار.
النقطة الرابعة ما نقلته صحيفة النهار عن أن القيادة السورية في دمشق لم تتجاوب منذ أكثر من ثلاثة أشهر مع طلبات مواعيد للقاء شخصيات نيابية ودينية سنية، ويكتفي مسؤولون سوريون بأنهم يفضلون التعامل مع الجهات الرسمية.
النقطة الخامسة زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى أمريكا المقررة غدًا، والتي يلتقي فيها الرئيس ترامب.
النقطة السادسة زيارة رئيس الوزراء اللبناني إلى تركيا الأسبوع الماضي، وبالتأكيد كان موضوع التدخل السوري في لبنان حاضرًا على جدول الأعمال، فهل أقنع أردوغان الرئيس نواف سلام بالدخول في هذا المشروع وتأمين الغطاء الحكومي الشرعي له؟
وبربط مضامين هذه النقاط يمكن فهم الهدف السياسي من قصف إيران لقاعدة التنف في هذا التوقيت. والظاهر أن المسؤولين الإيرانيين يمتلكون معلومات حول أن ترامب مصرّ على أن يقوم النظام السوري بعملية عسكرية ضد حزب الله في منطقة البقاع، بينما يتخوف النظام السوري من القيام بهذا الأمر لما له من تبعات سياسية وعسكرية ومذهبية، لذا يرفض استقبال شخصيات نيابية ودينية سنية حتى لا يؤخذ عليه البعد المذهبي بالتعاطي مع لبنان، وهو يُصر على العلاقة عبر السلطة اللبنانية ليكون لأي عمل له في لبنان شرعية لبنانية.
هذه الشرعية التي تريدها سوريا يفترض أن تكون بطلب من الحكومة اللبنانية عبر رئيس الوزراء نواف سلام و/ أو عبر رئيس الجمهورية جوزيف عون. إذن لم يتبق من الخطوات التحضيرية إلا الطلب اللبناني الرسمي، وهو ما سيطلبه ترامب من جوزيف عون في زيارته المقبلة إلى أمريكا، واستباقًا لكل ذلك جاء قصف قاعدة التنف الأمريكية في سوريا كرسالة للقيادة السورية أن إيران ستكون في قلب المعركة إذا ما تعرض حزب الله للاعتداء عبر سوريا، وهي رسالة يُفترض أن يفهمها الرئيس جوزيف عون حتى لا يذهب به الحماس إلى الاستسلام لطلبات ترامب المُهينة.
منطقيًا، السلطة اللبنانية من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية اللذين تنازلا عن السيادة اللبنانية، وقبلا باتفاق الإطار المُذل الذي فرضته أمريكا والكيان الصهيوني عليهما، لن يكون مستبعدًا منهما الرضوخ للمطالب الأمريكية الجديدة، خصوصًا رئيس الجمهورية الذي سيُحقق أحد أحلامه الكبرى بلقاء (صديقه) ترامب، وسيكون مجبرًا على دفع ثمن ذلك.
والسؤال هنا ماذا سيكون موقف قيادة الجيش اللبناني وضباطه وجنوده إذا ما حصل اعتداء على شعبهم وأرضهم، علمًا أن العدوان السوري على لبنان – سواء حصل بشكل رسمي أو عبر المرتزقة الأجانب في سوريا – سيواجه بقوة من أهل البقاع كافة، ومن العشائر البقاعية وما تمثله من قوة عسكرية لا يستهان بها، ما يجعل هذه المغامرة محفوفة بالمخاطر التي حتمًا سترتد تبعاتها على الداخل السوري الذي لم تلتئم جراحه بعد.
هل سيعلن ترامب طلبه من لبنان الاستعانة بسوريا للقضاء على حزب الله بشكل علني أمام الرئيس اللبناني زيادة في إذلال لبنان وسلطته السياسية؟ وهل سيستطيع الرئيس جوزيف عون رفض ذلك؟ أم سيعيد تجربة الجبهة اللبنانية عندما استدعت النظام السوري السابق لقتال الفلسطينيين والقوى الوطنية، فكان أن تحكّم بلبنان لما يزيد عن ثلاثين عامًا؟ وهل قصف قاعدة التنف هي رسالة أيضًا إلى رئاسة السلطة اللبنانية بأن التواجد الأمريكي العسكري في قاعدة حامات، ومطار القليعات، وقاعدة السفارة الأمريكية في عوكر، سيكونون في قلب المعركة إن أكملت السلطة اللبنانية بهذا المسار، وهل يتحمل لبنان إدخاله في مغامرات وصراعات إقليمية إرضاءً لأمريكا والعدو الصهيوني؟
الأيام القليلة المقبلة ستجيب حتمًا عن ذلك.



