في الذكرى 37 لرحيله: الإمام الخميني وبناء منظومة مقاومة الهيمنة الأمريكية (أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

تمر غدا في الثالث من حزيران الذكرى السابعة والثلاثون لرحيل قائد الثورة الإسلامية الإيرانية آية الله روح الله الموسوي الخميني ،في وقت تعبر الجمهورية الإسلامية أقسى تجاربها في مقارعة الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني.ولعل العودة إلى جذور هذه الثورة ،تنبئ بالإرث العظيم الذي خلفه هذا القائد في إيران والمنطقة والعالم.
لم يتوقع الأمريكيون أن يستطيع الإمام الخميني تثبيت أركان الجمهورية الإسلامية كما حصل بعد انتصار ثورته في العام 1979، وحتى الأيام الأخيرة كانت المخابرات الأمريكية تعتقد أن الثورة لن تنجح، خصوصًا أن الجيش وقيادته ما زالت تُدين بالولاء لشاه إيران محمد رضا بهلوي، لكن إصرار الإمام الخميني على ركوب الطائرة من باريس والعودة إلى إيران، جعلهم ينصحون الشاه بالخروج لفترة مع وعدهم له بأن هذا الخروج لن يستمر طويلًا، وستعاود المخابرات الأمريكية تنفيذ نفس المخطط السابق عندما أطاحت بالتعاون مع المخابرات البريطانية والجيش الإيراني بحكومة محمد مصدق عام 1953. لكن مرّت الأيام والشهور ولم تتحقق أمانيهم، واستطاع الإمام الخميني بحنكته ودهائه السياسي إفشال كل مخططاتهم، وأعظمها كان محاولة الانقلاب التي حاول أن يقودها رئيس الوزراء في ذلك الوقت أبو الحسن بني صدر، وذلك في عزّ التوغل العراقي داخل الأراضي الإيرانية.
كان المخطط واضحًا: حرب من الخارج مدعومة عربيًا ودوليًا ضد جمهورية فتية لم يمضِ على انتصارها سوى وقت قصير نسبيًا، ورئيس حكومة خائن متعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية سيقود محاولة انقلاب على قائد الثورة، ويُعيد الأمور إلى ما كانت تتمناه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة العربية والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.
لكن الإمام الخميني بذكائه وفهمه السياسي العميق، استطاع تحويل هذه الحرب الظالمة إلى فرصة لصالح الثورة الإسلامية في إيران، فحشد الشعب الإيراني بمختلف انتماءاته ووجّهه إلى جبهات القتال لصد العدوان، وهيأ الداخل الإيراني لرفض كل من يهدّ من عزيمة الشعب أو يتحدث عن تسويات مع الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على الدولة. وبالرغم من كل المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كان يعاني منها الشعب الإيراني في بدايات تمكين الجمهورية الإسلامية، فقد استطاع الإمام الخميني تحويل هذا المجتمع إلى مجتمع مقاوم، واقتصاده إلى اقتصاد التكافل والتضامن والتعاون.
لقد انتبه الإمام الخميني إلى نقطة ضعف أغلب الثورات في العالم التي تثور على الأنظمة الموالية للولايات المتحدة الأمريكية وللغرب عمومًا، وهي أن المخابرات الأمريكية والأوروبية تُقيم علاقات وطيدة مع قادة جيوش تلك الدول، ومعظمها يأتمر بأوامرها، وقد تدربوا وتخرجوا على أيدي ضباطها، وبالتالي حاضرون لتنفيذ ما يُطلب منهم، خصوصًا الانقلاب على قادة الثورات واعتقالهم وزجّهم في السجون، وإعادة السلطة إلى من يواليهم، ولو عبر انتخابات مزيفة، وأحيانًا مع تغيير في وجوه الساسة حتى يُخدّروا الشعوب بأن تغييرًا ما قد حصل.
وكأن الإمام الخميني متخصصًا في فهم تفكير وآليات عمل ساسة الولايات المتحدة الأمريكية ومخابراتها، لذا كان أول قراراته إنشاء قوات الحرس من خارج نطاق الجيش الإيراني ومخابرات السافاك، وذلك لحماية الثورة، كما دعا الشعب إلى تشكيل قوات التعبئة (الباسيج) للحفاظ على الأمن في الشوارع الإيرانية من أي محاولات إخلال بالنظام العام. كانت هذه هي الضربة القاسية التي تلقتها الولايات المتحدة الأمريكية، فهو أوجد قوات عسكرية منظمة بعيدة عن الجيش والشرطة والمخابرات الإيرانية النظامية، وأوجد قوات رديفة لكل منها، تتلقى أوامرها منه عبر قيادات ميدانية أفرزتها الثورة من أبناء شعبها.
لقد انتهز الإمام الخميني فرصة العدوان الدولي على إيران بواجهة صدام حسين، لينشئ هذه القوات العسكرية، ولولا الحرب لما استطاعت هذه القوات سواء الحرس الثوري أو التعبئة من أخذ هذا الهامش الكبير في الحركة العسكرية، خصوصًا أنه جعلها الممر الإلزامي للقتال على الجبهات، فأصبحت هي عنوان مقاومة الاحتلال ونموذجًا يتطلّع إليه كل إيراني يودّ الدفاع عن وطنه ضد العدوان الغاشم. وقد استغل الإمام الخميني هذه الفرصة ليُعيد تشكيل الجيش الإيراني والأجهزة الأمنية بما يتناسب مع الدور الجديد لها، فقطع أهم أذرع الولايات المتحدة الأمريكية ومخابراتها في التلاعب بالداخل الإيراني، ورسّخ لاحقًا بشكل قانوني وجود هذه القوات إلى جانب الجيش الإيراني والأجهزة الأمنية والعسكرية، حتى أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من منظومة الدفاع عن الجمهورية الإسلامية في إيران.
واليوم تحصد إيران نتائج هذه السياسة الحكيمة للإمام الخميني في هذا المجال، فها هم أبناء الحرس الثوري يخوضون أشرس المعارك إلى جانب الجيش الإيراني ضد العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، ويسطرون أروع البطولات في إذلال جيوش هذا العدوان مع كل ما يملكونه من تطور عسكري وتكنولوجي، وقد فاجأ ذلك الساسة الأمريكيين، كما ساسة العالم أجمع، الذين كانوا يتوقعون سقوط إيران في الأيام الأولى للحرب الظالمة عليها.
يُروى أن أحد قادة فيلق القدس زار مصر بعد ثورتها على الرئيس حسني مبارك، وانتخاب محمد مرسي زعيم الإخوان المسلمين رئيسًا لمصر، واجتمع معه بحضور قيادات الإخوان المسلمين، والطرح الأساسي الذي ناقشه معهم هو ضرورة إنشاء قوات حرس شعبي لحماية الثورة، وانقسم الحاضرون بين مؤيد ومعارض ومال الرئيس مرسي مع المعارضين، ولم يتم تشكيل قوات حرس شعبي في مصر، وشاهدنا النتيجة، فلم تمر سنة واحدة حتى سقطت ثورة الإخوان في مصر. كما قيل إن النصيحة التي تلقاها رجب طيب أردوغان من الإيرانيين عند محاولة الانقلاب ضده منذ سنوات، هي تحريك جماهير حزب التنمية والعدالة واحتلال الشوارع في العاصمة والمدن الكبرى، وهو ما أدى إلى فشل محاولة الانقلاب.
في العراق الذي كان يخضع للهيمنة والاحتلال الأمريكي، وعندما وصل الأمر إلى تنفيذ اتفاقيات خروج الأمريكيين من العراق، تحركت داعش بقوات وجحافل عسكرية كبيرة لتسيطر على مساحات واسعة من العراق وتهدد بغداد العاصمة، ولم يُسقط ذلك المشروع إلا قوات الحشد الشعبي الذي رعاه قائد فيلق القدس قاسم سليماني. صحيح أن فتوى المرجعية الدينية لسماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني هي التي ألهبت الشارع، لكن تنظيم هذه القوات وتجهيزها وتدريبها، وجعلها بمثابة الحرس الذي يحمي الدولة، كان من الإسهامات الفكرية للإمام الخميني. وكذلك في سوريا الأسد التي صمدت لثلاثة عشر عامًا بوجه أكبر حشد عسكري ودعم عالمي لإسقاط نظامها، كان هذا الصمود في جزء منه نابعًا من الكتائب الشعبية والقوات الرديفة التي شاركت إلى جانب الجيش السوري في التصدي للعدوان العالمي عليها، وإن كانت التجربة لم تُكلل بالنجاح المطلوب لأسباب عديدة.
أما في اليمن فقد تحول أنصار الله إلى قوة عسكرية وسياسية تُمسك وتتحكم بأهم مضائق الاقتصاد العالمي، وواجهت حربًا ضروسًا لمدة تزيد عن سبع سنوات ضد محور عربي ترأسته المملكة العربية السعودية وتنضوي تحته الإمارات العربية المتحدة مع جلب آلاف الجنود المرتزقة من السودان وغيره، وخرجت منتصرة. كل ذلك بفضل هذا الدعم الذي تلقاه أبطال اليمن من خلال قوات الحرس التي كان للإمام الخميني الفضل الأساسي في تشكيلها. ولاحقًا واجه أنصار الله الأساطيل الأمريكية والأوروبية، وأجبر حاملات طائراتهم على الهروب بعدما أصاب منهم مقتلًا.
تجربة لبنان كانت الأكثر تأثيرًا في المنطقة، حيث تم إنشاء قوات عسكرية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهذه القوات استطاعت مقاومة الاحتلال ودحره عن لبنان في العام 2000، وتم ذلك من خلال عملها كقوات مساعدة للجيش اللبناني تحت شعار (الجيش والشعب والمقاومة). وكانت العمليات العسكرية والسياسية في سنوات التسعينات، والتعاون مع الجيش اللبناني والقيادة السياسية للرئيس إميل لحود، والرئيس الراحل الشهيد رفيق الحريري، والرئيس الراحل سليم الحص السبب الرئيسي في دحر الاحتلال، حيث استفادت الدولة والسلطة السياسية من هذه المقاومة لتحقيق استقلالها وسيادتها، وكان المؤمل هو إيجاد صيغة تعاون وتنسيق تحفظ هذه المقاومة التي هي قوة ومنعة للبنان في وجه كل معتدٍ.
ليس هناك من أدنى شك أن كل هذه النجاحات في تفشيل مخططات السيطرة والهيمنة الأمريكية والصهيونية على دول غرب آسيا، هي نتاج هذه المنظومة التي أرسى دعائمها الإمام الخميني العظيم، فقد أفقد الولايات المتحدة الأمريكية ومخابراتها نقاط قوتها في تنفيذ الانقلابات العسكرية، والسيطرة على الدول والثورات التي ترفض الانصياع لها.



