
وائل فايز أبو الحسن – الحوارنيوز – مكسيكو سيتي
لم يكن التدخل الأميركي في الصومال بين عامي ١٩٩٢ و١٩٩٣، في ذروة صعود محمد فرح عيديد، مجرد استجابة إنسانية لمجاعة مدمرة وانهيار دولة، بل جاء في سياق أوسع، شكّل أول اختبار عملي لعقيدة التدخل بعد نهاية الحرب الباردة، حيث سعت الولايات المتحدة إلى إعادة تعريف دورها العالمي، عبر توظيف الشرعية الدولية، لفرض حضورها في مناطق ذات أهمية استراتيجية عالية، وفي مقدمتها القرن الإفريقي المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ففي ذلك الوقت، لم تكن الصومال فقط دولة منهارة، بل كانت تقع عند تقاطع جيوسياسي حساس، يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، وهو شريان تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، ما جعل السيطرة غير المباشرة على هذا الفضاء هدفا يتجاوز البعد الإنساني، خاصة في ظل القلق الأميركي من الفراغات الأمنية، التي قد تستغلها قوى معادية أو شبكات غير نظامية. ومع تطور المهمة، من إغاثة إنسانية إلى محاولة فرض نظام سياسي، وإقصاء قوى محلية، وعلى رأسها عيديد، تحوّل التدخل إلى صراع مفتوح، بلغ ذروته في معركة مقديشو عام ١٩٩٣، التي كشفت حدود القوة الأميركية حين تصطدم بواقع محلي معقد، وأجبرت واشنطن على الانسحاب، لكنها لم تُنهِ الاهتمام الاستراتيجي بالمنطقة.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود نفس الجغرافيا إلى الواجهة، ولكن بأدوات مختلفة، حيث يبرز الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، كخطوة تحمل أبعادا تتجاوز بعدها السياسي المباشر، لتندرج ضمن إعادة تشكيل ميزان النفوذ في محيط باب المندب، في لحظة دولية تتسم بتصاعد التنافس على الممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر. فما الذي يجعل هذا الكيان غير المعترف به دوليا يتحول فجأة إلى محور اهتمام؟ وهل يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران؟
تكمن الإجابة في الجغرافيا، قبل السياسة، فأرض الصومال تتمتع بموقع يتيح الإشراف المباشر على خليج عدن، بما يمنح أي قوة حاضرة هناك قدرة على المراقبة والتأثير في حركة الملاحة الدولية، خصوصا في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، حيث برزت أدوار أطراف غير دولية، مرتبطة بمحور إقليمي تقوده إيران، كما هو الحال في اليمن. وفي هذا السياق، فإن أي تموضع جديد على الضفة الإفريقية المقابلة لباب المندب، لا يمكن فصله عن معادلة الاحتواء والردع، التي تسعى واشنطن وحلفاؤها إلى تكريسها في مواجهة طهران.
غير أن هذه التحركات لا تمر دون كلفة، إذ إن إعادة فتح ملف أرض الصومال، تحمل في طياتها مخاطر تفكيك ما تبقى من وحدة الدولة الصومالية، وإعادة إنتاج بيئة النزاعات الداخلية، التي شكلت أساس الفوضى في التسعينيات، وهو ما قد يفتح الباب مجددا أمام تدويل الصراع، ولكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيدا، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع القوى الإقليمية، وتتحول الأراضي الهشة إلى ساحات تنافس غير مباشر.
وفي ظل تعثر قنوات الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، كما يظهر من فشل المسارات التفاوضية الأخيرة، تبرز أهمية الأوراق الجيوسياسية البديلة، حيث لا تقتصر المواجهة على ساحات الخليج، بل تمتد إلى نقاط الاختناق البحرية، وفي مقدمتها باب المندب، الذي يشكل الامتداد الطبيعي لمضيق هرمز في معادلة الضغط الاستراتيجي. فهل يمكن أن تتحول أرض الصومال إلى منصة متقدمة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في هذه المنطقة؟ وهل نحن أمام إعادة تدوير لنفس الأدوات التي استُخدمت في التسعينيات، ولكن بصيغة أكثر براغماتية، وأقل كلفة مباشرة؟
إن قراءة المسار التاريخي للتدخل الأميركي في الصومال، وما أعقبه من انسحاب تكتيكي، دون تخلي استراتيجي، تكشف أن الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو أهمية الموقع، بينما تتغير الأدوات وفقا للظروف الدولية. فبعد أن كانت المجاعة مدخلا للتدخل، أصبح الاعتراف السياسي اليوم وسيلة لإعادة التموضع، وبينهما يبقى الهدف واحدا، وهو التحكم غير المباشر في مفاصل الجغرافيا الحساسة.
وعليه، فإن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن تراكمات الماضي، بل يمثل امتدادا لها في سياق دولي جديد، حيث تعود الصومال، وأرضها المنقسمة، لتكون جزءا من لعبة الأمم، ليس بوصفها فاعلا مستقلا، بل كساحة تتقاطع فيها استراتيجيات القوى الكبرى، في لحظة يتزايد فيها وزن الممرات البحرية كأدوات ضغط ونفوذ، ما يجعل من باب المندب، كما كان مضيق هرمز، عنوانا لصراع مفتوح، لم تتضح نهاياته بعد.
*محام مغترب مقيم في المكسيك



