رأي

“إكليل غار أو .. عار”(يوسف شاهين)

 

د. يوسف ابراهيم شاهين – الحوارنيوز

 

لبنان هو جمهورية ديمقراطية برلمانية، يعتمد نظاماً توافقياً يقضي بتقاسم السلطة ويتم فيه توزيع المناصب العليا على الطوائف الرئيسية، ويقوم الحكم فيه على مبدأي الفصل بين السلطات الثلاث وتوازنها( التشريعية، التنفيذية والقضائية) . 

ووفقاً للدستور اللبناني، رئيس الجمهورية رأس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور ويحافظ على استقلال لبنان ووحدة أراضيه وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأمّا  السلطة التشريعية فيتولاها المجلس النيابي المنتخب مباشرة من الشعب ومن صلاحياته وضع القوانين وتعديلها، واقرار الموازنة العامة ومراقبة أعمال الحكومة ومساءلتها، والمصادقة على المعاهدات وإقرار الإتفاقات الدولية خاصة في ما يتعلق منها بحقوق السيادة، واستجواب الوزراء وحجب الثقة عن الحكومة أو عن أحد وزرائها عند الضرورة، .. 

أما مجلس الوزراء فتناط به السلطة التنفيذية ، حيث يقوم بوضع السياسة العامة للبلاد في جميع المجالات وينفذ القوانين الصادرة عن مجلس النواب، وهو المسؤول عن إدارة الدولة من خلال أجهزتها الإدارية ويتولى مسؤولية الدفاع والأمن حيث تخضع القوات المسلحة لسلطته، والتفاوض على المعاهدات الدولية وعقدها (مع الموافقة اللاحقة لمجلس النواب)…،

وتتولى السلطة القضائية محاكم تختلف في درجاتها واختصاصاتها يقوم فيها قضاة مستقلّون بوظائفهم، ويصدرون قراراتهم وأحكامهم التي تنفذ باسم الشعب اللبناني. 

وهذا ما ورد أيضاً في الكتب المدرسية المعتمدة من وزارة التربية والمقررات التي تدرّس في الجامعات في لبنان. 

بناء على ما تقدم، وفي مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، وأمام عدو لا يفهم إلاّ بلغة القوة، يأخذ ولا يعطي، متغطرس، لا يأبه بالقرارات الدولية، ولا يقيم وزناً للمواثيق والعهود، ولا يلتزم بإعلان وقف الأعمال العدائية  منذ ٢٧ ت٢ ٢٠٢٤ ويقوم بتهجير الناس وقتل المدنيين وتدمير القرى والبلدات، وأمام التصدي الباسل من قبل المقاومة التي تسطر أروع الملاحم والبطولات في الميدان وتمنع العدو من تحقيق أهدافه، استغرب الكثيرون طلب رئيس الجمهورية إجراء مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي والذي تجاهله الأخير لفترة طويلة، واوعز بعدها نتنياهو للمجلس الوزاري المصغر بالعمل على ترتيبات لإجراء مفاوضات مع لبنان لضمان أمن سكان الشمال وإقامة سلام،

 وما يثير دهشة الكثيرين صدور بيان يوم أمس عن مكتب الإعلام  في رئاسة الجمهورية مبني  على المبادرة التي اطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والتي ترتكز إلى العمل الدبلوماسي من خلال الإعلان عن وقف لإطلاق النار والذهاب إلى التفاوض المباشر  مع إسرائيل! ، وبعد الاتصالات الدولية والعربية  التي اجراها الرئيس عون مؤخراً في ضوء تصاعد الاعتداءات الاسرائيلية  على لبنان ، قررت الإدارة الاميركية تكليف  وزارة الخارجية الاميركية القيام بدور الوسيط بين لبنان واسرائيل . وتنفيذاً لذلك ، وبناء على توجيهات الرئيس عون للسفيرة اللبنانية في واشنطن ، تم إتصال هاتفي عند  التاسعة مساء بتوقيت بيروت ، هو الأول بين لبنان ممثلا بسفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض ، وإسرائيل ممثلة بسفيرها في واشنطن يحئيل ليتر ، وبمشاركة سفير الولايات المتحدة الاميركية في بيروت ميشال عيسى الموجود في واشنطن حيث تم خلال الاتصال التوافق على عقد اول اجتماع يوم الثلاثاء المقبل في مقر الخارجية الاميركية للبحث في الإعلان عن وقف  لإطلاق النار وموعد بدء التفاوض بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية .(انتهى البيان). !!!!! 

وهنا تبرز عدة أسئلة: لماذا تتخلى الدولة اللبنانية عن أوراق القوة المتمثلة بالمقاومة واستبسال مجاهديها وصمود بيئتها؟ ولماذا تتجاهل السلطة الموقف الإيراني الداعم للبنان الذي حتى هذه اللحظة يتمسك بعدم الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع اميركا قبل وقف العدوان على لبنان والمنطقة؟!! ولماذا تغفل الحكومة عن مراعاة تأثير كل الأطراف المباشرة وغير المباشرة، والإستفادة منها؟ وهل يشير الموقف اللبناني إلى التماهي ،لا سمح الله ، مع الموقف الإسرائيلي في فصل ملف لبنان ؟!!!  ولمصلحة من؟ وهل الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي يتوافق مع الدستور اللبناني؟ وهل الجلوس مباشرة  مع العدو شرعي وقانوني وله مبررات؟ 

كلّها أسئلة مشروعة سوف تتكشف أجوبتها في الأيام المقبلة.

إنّ ما يتعرض له لبنان من عدوان وحشي على أراضيه، وما تعرضت له العاصمة بيروت مؤخراً والسراي الحكومي في النبطية ، بعد تنكر إسرائيل لشمول لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار المعلن بين ايران وأميركا بوساطة باكستانية، يشكّل فرصة للسلطة اللبنانية لا تعوّض، وإن كانت متأخرة، لاستغلال ما يجري في الميدان كورقة قوة  وضغط تضعف العدو وتحد من أطماعه التوسعية، الساعي إلى زرع بذور الفتنة لحصد حرب أهلية، لهذا يجب على أركان السلطة  وبكل جرأة العمل وبشكل فوري لاتخاذ موقف رسمي وطني يحفظ سيادة الوطن واستقلاله، ويحافظ على الوحدة والاستقرار الداخليين، وتلقف الدعوة إلى التمسك بوقف إطلاق النار كشرط مسبق قبل الانتقال إلى أي خطوة لاحقة، وعدم منح العدو تنازلات مجانية، فلا تفاوض مباشر تحت النار، ولا تفاوض مباشر قبل الإنسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلّة، ولا تفاوض  مباشر قبل عودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم.

من هنا، وانطلاقاً من الحرص على سيادة الوطن وعلى الوحدة الوطنية وتعزيزاً للديمقراطية وشرعية القرارات المصيرية، فإن رئيس الجمهورية مدعو للإستمرار في العهود التي تضمنها خطاب القسم الذي نعتبره بحكم المقدس ، والمجلس النيابي، الهيئة الممثلة  للشعب،  للتعبير عن مصالح المواطنين وإيصال صوتهم  في القضايا الوطنية الكبرى ، ومجلس الوزراء إلى دوام التمسك بمواد الدستور والأنظمة المرعية الإجراء  بناء على البيان الوزاري الذي نالت الحكومة الثقة على اساسه، والسهر على تطبيق وتنفيذ القوانين، وإضطلاع الجميع  بصلاحياتهم والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم في مناقشة قضايا المجتمع اللبناني، وتحقيق آماله وطموحاته في العيش الكريم في كنف الدولة القوية القادرة ، والإتاحة للمواطنين حسم قضاياهم وتقرير مصيرهم والعودة إليهم كأصحاب سيادة ومصدر السلطات. وندعو المعنيين أيضاً لإجراء استفتاء شعبي بدعوة المواطنين إلى الإقتراع للتعبير عن الإرادة الشعبية والوطنية في تأييد أو رفض الذهاب إلى المفاوضات (إذا كان القانون اللبناني يجيز التفاوض) والالتزام بنتيجة الاستفتاء، تجسيداً  للمشاركة في الحكم.

وكي لا تمسي كتب التربية الوطنية والتنشئة المدنية  التي تدرّس حبراً على ورق والمقررات الجامعية نظريات دون تطبيق، والمبادىء الإنسانية مجرد شعارات، تحمّلوا مسؤوليتكم الوطنية والتاريخية، ولا تجلسوا مع العدو، لأن من يجلس مع العدو حتماً سيبقى معه أو قطعاً سيرحل معه.

انتهزوا هذه الفرصة لتتكلّلوا  بالغار .. وإلاّ فالإكليل عار !

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى