حروبرأيسياسة

لا وجه للمقارنة بين تفاوض أميركي- إيراني.. وتفاوض لبناني – إسرائيلي (وائل أبو الحسن)

 

وائل فايز أبو الحسن – الحوارنيوز- مكسيكو سيتي

 

منذ بداية الحديث عن احتمال حصول مفاوضات في المنطقة، يبرز خلط واضح بين مسارين مختلفين تماما، الأول يتعلق بالتفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، والثاني يتعلق بالتفاوض بين لبنان وإسرائيل إن حصل. هذا الخلط يتجاهل الفارق الجوهري في طبيعة الصراع والسياق القانوني والتاريخي لكل حالة، فالتفاوض الأميركي الإيراني هو مسار قائم منذ سنوات رغم القطيعة الدبلوماسية، بينما أي تفاوض لبناني إسرائيلي يرتبط بقضايا سيادة واحتلال ونزاع حدودي وملفات وجودية شديدة التعقيد. لذلك لا يمكن القياس بين الحالتين أو اعتبارهما متشابهتين في الظروف أو النتائج المحتملة.

العلاقة بين إيران والولايات المتحدة شهدت قطيعة سياسية ودبلوماسية منذ أزمة السفارة الأميركية في طهران عقب انتصار الثورة الإسلامية ووصول آية الله الخميني إلى الحكم. ورغم سحب السفراء استمرت قنوات التواصل غير المباشر عبر وساطة سويسرا التي تولت تمثيل المصالح الأميركية في طهران، ما أبقى باب الحوار قائما في مختلف المراحل. وقد تناولت المفاوضات بين الطرفين ملفات محددة تتعلق بالمصالح الاقتصادية والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية وأمن الممرات الحيوية كهرمز وباب المندب، إضافة إلى قضايا الأمن الإقليمي. وبالتالي فإن اللجوء إلى التفاوض حتى بعد مراحل من التوتر أو بعد الحرب الأخيرة يبقى أمرا طبيعيا في إطار إدارة نزاع سياسي بين دولتين كاملتي السيادة، وقد ينجح التفاوض أو يفشل وفقا لتوازن المصالح والضغوط الدولية.

أما في الحالة اللبنانية الإسرائيلية فالوضع مختلف جذريا من حيث الخلفية والسياق. فالمسألة لا تتعلق بخلاف سياسي أو تنافس جيوسياسي فحسب، بل بتاريخ طويل من الحروب والاجتياحات والاعتداءات والانتهاكات المتكررة للسيادة اللبنانية. ووفقا للقرارات الدولية ما زالت إسرائيل تعتبر قوة احتلال على أراض فلسطينية، كما توجد مناطق يعتبرها لبنان أراضي محتلة وفقا لموقف الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا التي احتلت عام ١٩٦٧ وكانت خاضعة حينها للسيادة السورية، مع استمرار وجود نزاع حول ترسيم الحدود بين لبنان وسورية وإسرائيل في هذه المنطقة. هذا الواقع يجعل مسألة الحدود والسيادة مسألة أساسية لا يمكن فصلها عن أي نقاش سياسي.

يضاف إلى ذلك أن لبنان شأنه شأن عدة دول عربية وإسلامية وغير عربية لا يعترف بإسرائيل، ما يجعل أي حديث عن تفاوض مسألة شديدة الحساسية ترتبط بالحقوق الوطنية وبقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي لا تزال دون تنفيذ كامل. كما أن موقع لبنان ضمن ما يعرف بدول الطوق ووجود أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه يجعله معنيا مباشرة بملفات معقدة مثل حق العودة ورفض التوطين ووضع السلاح داخل المخيمات، وهي قضايا مرتبطة بجوهر الصراع في المنطقة وليست مجرد ملفات تقنية قابلة للحل السريع.

انطلاقا من ذلك يتضح أن المقارنة بين التفاوض الأميركي الإيراني وبين أي تفاوض لبناني إسرائيلي إن حصل ليست دقيقة، لأن لكل مسار طبيعته الخاصة وظروفه التاريخية والقانونية والسياسية المختلفة تماما.

فالتفاوض بين الولايات المتحدة وإيران يدور حول توازن مصالح محددة بين دولتين ذاتي سيادة، بينما يرتبط أي تفاوض لبناني إسرائيلي بقضايا احتلال وحدود وحقوق وطنية وقرارات دولية، وهو ما يجعله أكثر تعقيدا وحساسية من جميع الجوانب. كما أن رفض شريحة واسعة من الشارع اللبناني لمبدأ توقيع اتفاقية سلام يبقى عاملا أساسيا لا يمكن تجاهله، إذ إن خطوة كهذه قد تؤدي إلى تفجير الساحة الداخلية، ما يدفع كثيرين إلى تفضيل الاكتفاء باتفاقية الهدنة الموقعة عام ١٩٤٩ كإطار قانوني قائم ينظم الوضع القائم دون الانتقال إلى مسار سياسي أكثر حساسية وتعقيدا.

* محام مغترب مقيم في المكسيك

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى