“الأربعاء الأسود” وانزلاق السلطة نحو قعر الهاوية(أكرم بزي)

الأربعاء الأسود وانزلاق السلطة نحو قعر الهاوية
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
الاربعاء 8 نيسان 2026، كان اليوم الاسود في لبنان، شن بنيامين نتنياهو وحكومته المتوحشة مجازر، تنقلت من الجنوب والى الشمال ومن الشرق الى الغرب، الحصة الاكبر كانت لبيروت وضاحيتها الشموس، صب جام غضبه على الابرياء والاطفال والعزل الا من الكرامة الانسانية. هذه ليست المرة الاولى التي يقوم بها العدو الصهيوني بمثل هذه المجازر فهي في صلب عقيدته ونزعته نحو الشر والحقد الاعمى، وايضا دليل على التفلت من كل ضوابط الحقوق الانسانية والقوانين الدولية وغيرها من معزوفة “العدالة وحقوق الانسان”. كعادته عبر كيان الاحتلال الاسرائيلي عن فشله في تحقيق انجازات على كل الجبهات من ايران الى لبنان مرورا بالعراق واليمن.
لقد استبق العدوان الموعد المقرر للمحادثات في اسلام اباد بموجة من الغارات العنيفة التي استهدفت البنى التحتية والمناطق السكنية المكتظة، وقد سجلت الاحصاءات الرسمية في ذلك اليوم سقوط 254 شهيدا و1165 جريحا، توزعت النسبة الاكبر منهم في بيروت بواقع 92 شهيدا والضاحية الجنوبية بواقع 61 شهيدا، مما كشف حجم العجز العسكري الاسرائيلي عن مواجهة الجبهات المفتوحة ولجوئه لترهيب المدنيين. ويأتي هذا السلوك الاجرامي نتيجة اعتراف النخب الاسرائيلية والغربية بالفشل الاستراتيجي التاريخي، حيث وصف يائير لابيد النتائج بالكارثة السياسية، واعتبرت صحيفة معاريف بتاريخ 8-4-2026 الاتفاق مع واشنطن انتصارا ايرانيا ساحقا بعد 41 يوما من القتال غير المجدي، في حين اكد رئيس مستوطنة المطلة استحالة تفكيك قدرات حزب الله عسكريا، ما يعكس تهشم الردع الاسرائيلي وفشل وعود النصر المطلق لنتنياهو وترامب امام صلابة محور المقاومة.
على المستوى الدولي، رأت صحف ذا غارديان ووول ستريت جورنال ونيويورك تايمز في التاريخ نفسه ان صفقة وقف اطلاق النار تمثل اخفاقا امريكيا هائلا، حيث اضطرت واشنطن للهدنة لتجنب انهيار اقتصادي عالمي وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، مما عزز وضع طهران التفاوضي، ويرى محللون مثل روبرت بيب وبيبي اسكوبار ان واشنطن سقطت في فخ التصعيد الذي زاد من نفوذ خصومها، كما اشار معهد دراسات الامن القومي والقناة 12 العبرية الى ان استراتيجية وحدة الساحات افشلت محاولات الاستفراد بالجبهات، وفرضت شمولية الاتفاق للبنان وحصانة القدرات النووية الايرانية، مما دفع غولان وليبرمان لاتهام الحكومة بتضليل الجمهور امام ازمة وجودية عميقة وتراجع للهيبة العسكرية.
الا ان ما يدعو الى الاشمئزاز من السلطة اللبنانية التي سارعت الى طلب المفاوضات مع الكيان الاسرائيلي ضاربة بعرض الحائط على الاقل معارضة اكثر من نصف الشعب اللبناني الرافض لهذه المفاوضات، لا بل ساعدت العدو الاسرائيلي من خلال اعلانه “مفاوضات تحت النار”، الى تشكيل وفد سياسي رسمي للتفاوض، وهو ما اعتبره مراقبون تسابقا خطيرا مع الضغوط الميدانية الاسرائيلية وتفريطا بالتضحيات الجسيمة التي قدمها اللبنانيون في مواجهة آلة القتل الصهيونية، ان الغرفة السوداء التي تدير هذه السلطة تريد تنفيذ اجندتها على دماء الابرياء، مع العلم وبحسب اعترافات المعارضة والموالاة في اسرائيل من انها هزمت، ومن هنا ننطلق لنقول ان هذه السلطة اكثر وحشية من اسرائيل بالتماهي واعطاء الذرائع للعدو الصهيوني للقيام بما يحلو له، فهذه السلطة لا تأبه للبنان ولا لشعب لبنان، بل تنفذ اوامر اميركية خليجية تريد من هذا البلد ان يكون تحت امرة العدو الصهيوني وهيمنته وان لا يكون هناك مقاومة او اي قوة تقول لا لهذا العدو، وبالتالي ستكون ثروات هذا البلد وسياساته تحت جزمة الصهاينة اذا ما استمرت هذه التنازلات المذلة.
من المؤكد ان مخاطر وجودية كبرى تتربص بسيادة لبنان في حال الرضوخ للمطالب الاسرائيلية، اذ يبدو الفخ منصوبا بوضوح لعزل الساحة اللبنانية وانتزاع اقوى اوراقها عبر فك ارتباطها بالصراع الاقليمي، بينما تقتضي المصلحة العليا البقاء ضمن المسار التفاوضي الشامل الذي يضم ايران والمنطقة، خصوصا وان واشنطن تهرول نحو تسوية كبرى لانهاء النزاع وفتح مضيق هرمز تحت وطاة الاستنزاف العسكري والضغوط الداخلية التي تحاصر ترامب، ومن هنا يسعى نتنياهو لجر لبنان الى مسار منفرد يمنح الاميركي ذريعة لتجاهله في مفاوضات التسوية الشاملة، وهو ما اكده ترامب صراحة بتنصله من المجازر المستمرة، مما يعني حرمان لبنان من مكتسبات الجبهة الموحدة الممتدة من طهران الى صنعاء.
ان القبول بالتفاوض تحت النيران ليس سوى استنساخ بائس لنموذج غزة، يهدف من خلاله الاحتلال الى فرض الاملاءات عبر سلاح القصف والحصار، والدخول في هذا المسار دون وقف عدوان شامل هو استسلام لمنطق القوة الغاشمة على حساب السياسة، حيث ستتحول المجازر اليومية الى اداة ضغط فوق طاولة التفاوض، مع احتمال اللجوء الى حصار خانق لتركيع الدولة، كما ان العدو يسعى لتفجير الساحة الداخلية كبديل عن اخفاقاته الميدانية امام ضربات وكمائن حزب الله، عبر محاولة انتزاع قرار بنزع السلاح يجر البلاد نحو اقتتال اهلي، بالتوازي مع مخطط لفرض منطقة عازلة بعمق ثلاثة كيلومترات تضمن امن المستوطنات دون التزام بالانسحاب، تماما كما حدث في تجارب سابقة.
في المحصلة، تظل المقاومة هي القوة الضاربة التي ستحطم رهانات الداخل والخارج وتكشف زيف الادعاءات، والايام المقبلة كفيلة باظهار الحقائق، لتبقى الكلمة الفصل والنهائية لما يحققه الميدان، فهو الوحيد القادر على صياغة المعادلات الجديدة وفرض وقائع النصر مهما بلغ حجم التامر، وما النصر الا من عند الله.



