دول الخليج بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني (عماد عكّوش)

بقلم د. عماد عكّوش – الحوارنيوز
تجد دول الخليج النفطية والغازية نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة غير مسبوقة ، حرب إقليمية تهدد شريان الطاقة العالمي ، مقابل اقتصادات تعتمد جوهرياً على الاستقرار والتدفقات المالية. الواقع الحالي يفرض ثلاث حقائق أساسية:
أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز
أكثر من خمس صادرات الغاز الطبيعي المسال تعبر هذا المضيق.
أكثر من 30% من تجارة الأسمدة العالمية تعتمد عليه.
لكن ما يفاقم المشهد تعقيداً، هو الكلفة الخفية للحماية العسكرية الأميركية في الخليج، والتي غالباً ما لا تُحتسب ضمن التحليل التقليدي. ففي حال توسّع المواجهة، ستتحمّل دول الخليج عملياً:
تكاليف إعادة بناء أو صيانة القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها في حال تعرضها للاستهداف.
تكلفة الذخائر والصواريخ وأنظمة الدفاع المستخدمة في العمليات، والتي يتم تحميلها ضمن صفقات عسكرية أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
تعويضات مالية لعائلات الجنود الأميركيين القتلى أو المصابين، سواء بشكل مباشر أو ضمن ترتيبات سياسية وعسكرية.
هذه التكاليف قد لا تظهر فوراً في الموازنات، لكنها تمثل نزيفاً مالياً طويل الأمد يضاف إلى كلفة الحرب المباشرة، ما يحوّل “الحماية” إلى عبء اقتصادي مركّب.
هنا يجب الأخذ بعين الاعتبار أن أي اضطراب عسكري مباشر سيؤدي إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة، لكن هذه القفزة قد تتحول سريعاً إلى خسائر استراتيجية إذا تعطلت الصادرات أو استُهدفت البنية التحتية.
انطلاقا” من هذه المعطيات تجد دول الخليج نفسها امام ثلاثة خيارات :
أولاً: الدخول المباشر في الحرب
عملية الدخول المباشر في الحرب لها مكاسبها ومخاطرها، ومن اهم المكاسب تعزيز التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة ، تثبيت النفوذ الإقليمي ، والاستفادة من ارتفاع أسعار النفط (قصير الأمد). اما بالنسبة للمخاطر فأهمها استهداف البنية التحتية النفطية (مصافي، موانئ، خطوط أنابيب) ،ارتفاع تكاليف التأمين والشحن ، نزيف مالي يومي نتيجة العمليات العسكرية ، وإضافة كلفة “الحماية الأميركية” (قواعد + ذخائر + تعويضات).
بخصوص تقديرات الانعكاسات الاقتصادية فأهمها تكلفة يومية للحرب (لدولة خليجية متوسطة): 200 ـ 500 مليون دولار ، خسائر محتملة في حال ضرب المنشآت: 50 ـ 500 مليار دولار ، توقف الصادرات لفترة قد تتجاوز عاماً ، خطر استهداف محطات تحلية المياه (تهديد وجودي) ، وخطر ضرب محطات الكهرباء (شلل اقتصادي شبه كامل).
ثانياً: الحياد المدروس
(السيناريو الأكثر ترجيحاً) والذي يمكن ان يقوم على المرتكزات التالية : دعم غير مباشر (لوجستي/سياسي) ،تعزيز الدفاعات دون الانخراط القتالي ، ولعب دور الوسيط .
اهم المكاسب للحياد المدروس هو الحفاظ على تدفق النفط والغاز ولو جزئياً ، الاستفادة من ارتفاع الأسعار دون تحمل كلفة الحرب ، وتعزيز الدور الدبلوماسي . اما المخاطر فيمكن ان تتضمن ، ضغوط من الحلفاء، خصوصاً الولايات المتحدة ، وتهديدات أمنية غير مباشرة (هجمات غير متماثلة).
ثالثاً: عدم التدخل المطلق
هذا الخيار شبه غير واقعي، نظراً لاعتماد الأنظمة الخليجية على المظلة الأمنية الأميركية. الامتناع الكامل عن تقديم تسهيلات لوجستية قد يعرّض هذه الدول لضغوط سياسية حادة، وربما محاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، خاصة في ظل الخطاب الأميركي الذي يلوّح دائماً بإعادة ترتيب التحالفات وفق المصالح الاستراتيجية.
في حال اعتماد الحياد المدروس فطبعا كل دولة لها ظروفها وبالتالي خسائرها. فالسعودية هي أكبر مصدر نفط عالمي ، لديها منشآت حساسة سبق استهدافها (مثل بقيق) ، فالخسائر المحتملة: 50 ـ 120 مليار دولار ، انخفاض الإنتاج: حتى 30% مؤقتاً ، اما الأثر على المواطن فتأجيل مشاريع ، ضغوط تضخمية محدودة .
بالنسبة للامارات لديها اقتصاد متنوع (نفط + تجارة + سياحة + مالية). الخسائر: 20–40 مليار دولار سنوياً، اما الأثر فارتفاع تكاليف المعيشة ، تباطؤ عقاري دون أزمة حادة .
بالنسبة لقطرفهي أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال . المكاسب أرباح كبيرة من ارتفاع أسعار الغاز اما المخاطر تهديد خطوط الشحن اما الأثرفهو إيجابي أو شبه معدوم سلبياً .
في حال الانخراط المباشر بالحرب:
تحتاج دول الخليج إلى أكثر من 10 سنوات لإعادة التوازن الاقتصادي . بخصوص القدرة التمويلية ،فالسعودية، الإمارات ، قطر سيكون هناك تمويل ذاتي ، الكويت قوية مالياً ، اما عمان والبحرين فتحتاجان دعما خارجيا.
يبقى القول ان الخطر الحقيقي يكمن في الاستنزاف طويل الأمد، حيث تتحول الفوائض المالية إلى أدوات تمويل للحرب والحماية، بدلاً من الاستثمار والتنمية.
في الخلاصة دول الخليج اليوم لا تواجه اختباراً عسكرياً فقط ، بل اختباراً وجودياً لنموذجها الاقتصادي:
الدخول في الحرب: مكاسب سياسية قصيرة، مقابل خسائر اقتصادية ضخمة + أعباء مالية خفية مرتبطة بالحماية الأميركية.
الحياد المدروس: أفضل توازن بين الاستقرار الاقتصادي وتعزيز النفوذ الدبلوماسي.
المعادلة النهائية واضحة: التهديد الحقيقي ليس فقط في الصواريخ التي قد تُطلق، بل في فاتورة الحرب غير المعلنة التي قد تستمر لعقود.



