دولياتسياسة

مواجهة الحافة الأخيرة بين دبلوماسية الفستق والصولد الأميركي (أكرم بزي)

 

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز

 

لمن يدرك كنه العقل الإيراني يتضح له أن سياسة اللعب على حافة الهاوية ستنتهي بجعل طهران الرابح الأكبر في هذا الصراع. ذلك أن دبلوماسية ترامب القائمة على منطق “البوكر” والمغامرة بكل الأوراق عبر التراجع تارة والتهديد والمناورة تارة أخرى، لا تجد نفعا مع محترفي “دبلوماسية الفستق” الذين يتقنون فن الصبر الطويل، فيتركون الخصم منشغلا بالتهام المقبلات بينما يخططون في صمت لكيفية الإطباق عليه في اللحظة الحاسمة.

تقف المنطقة اليوم أمام ساعة الصفر في مواجهة شاملة تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تحت تهديد مباشر يخيرها بين الاستسلام أو الحرب، حيث تتمحور المطالب الأميركية حول تفكيك كامل للقدرات الإيرانية الأساسية عبر إنهاء البرنامج النووي المدني وتقليص البرنامج الصاروخي ووقف دعم الحلفاء الإقليميين، وإن تحديد المآلات بين التسوية أو الحرب الشاملة أو العملية العسكرية المحدودة يرتبط بجملة من العوامل المعقدة وفي مقدمتها الحد الأدنى المقبول لدى كل طرف، إذ تصر واشنطن على تسليم كامل مخزون اليورانيوم المخصب ووقف التخصيب محليا بينما تعتبر طهران أن الحفاظ على حق التخصيب السلمي ومنظومة الردع الصاروخي هو الحد الذي لا يمكن تقديم أي تنازل دونه، لأن قبول الشروط الأميركية يعني الاستسلام الاستراتيجي وتغيير النظام فعليا.

وفي ميزان القوى العسكرية ترفع طهران مستوى الردع بناء على تقديرها العالي لكفاءة ترسانتها التي تضم صواريخ باليستية وفرط صوتية وأكثر من ألف طائرة مسيرة حديثة، ملوحة بقرار مجلس الشورى بإغلاق مضيق هرمز وهو خيار قادر على رفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة والتسبب بانهيار الاقتصاد العالمي وتفجير سوق المشتقات المالية، في المقابل تراهن واشنطن في تقديرها لقدراتها على تفوق تكنولوجي وجوي كاسح مع تعزيزات بقاذفات “بي2” وغواصات صواريخ موجهة ومنظومات “ثاد” لشن ضربة تصفها بأنها ستكون أعنف وأشمل من أي وقت مضى، وتنبني تصورات كل طرف لقدرات الخصم على قراءات متباينة إذ تراهن واشنطن على أن النظام الإيراني براغماتي ولن يخاطر بالانتحار الشامل إذا كانت الضربة مركزة، بينما ترى طهران أن الإدارة الأميركية مقيدة بخشية الحلفاء من حرب إقليمية كبرى وغير مستعدة لغزو بري طويل الأمد.

إن حدود المخاطرة والقدرة على تحمل الخسائر ترسم ملامح المواجهة الوشيكة، فبينما تضع واشنطن حساسيتها تجاه أسعار الطاقة العالمية وعدد الضحايا البشرية كخطوط حمراء للمخاطرة، تواجه طهران مخاطر وجودية وضغوطا داخلية اقتصادية خانقة واحتجاجات شعبية تطالب بالتغيير، ما يضع صناع القرار هناك بين خيار التصعيد لتوحيد الجبهة الداخلية ضد عدو خارجي أو تقديم تنازلات مرة لإنقاذ الموقف الاقتصادي، خاصة وأن الهدف الحقيقي من هذا التصعيد ليس مجرد احتواء إيران بل شن حرب إمبراطورية شاملة تستهدف محور دول بريكس، ولا سيما إيران وروسيا والصين والهند، مع تعطيل مشاريع التكامل الكبرى ومسارات الطاقة العالمية وتحويل الصراع إلى تهديد منظومي للاقتصاد والجغرافيا السياسية معا.

وتلعب تقديرات عنصر الوقت دورا حاسما في ترجيح الكفة إذ ترى واشنطن أن الزمن لا يتحرك في صالحها وأن أي تأخير يسمح لطهران بترميم قدراتها وتعزيز تحالفاتها الشرقية، بينما تحاول طهران كسب الوقت عبر الوساطة التركية في لقاءات أنقرة لتفادي الضربة العاجلة وتفتيت الزخم الأميركي الحالي، وفي هذا السياق ينخرط الناتو والاتحاد الأوروبي في مشروع الحرب تحت شعار تغيير النظام فيما تصر طهران على أنها لا تزال تفتح باب الدبلوماسية بشرط الاحترام المتبادل، مؤكدة أن أي هجوم سيواجه بردا فوريا يستهدف إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج ولن تكون الحرب موضعية أو مضبوطة.

إن العالم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما التراجع وفتح باب التفاوض وإنقاذ الاقتصاد العالمي، وإما الانزلاق إلى حرب كبرى في غرب آسيا قد تشعل انهيارا عالميا شاملا. وتميل التقديرات الحالية إلى أن أي صدام قد يبدأ بعملية عسكرية جراحية واسعة تستهدف المنشآت الحساسة ما لم تنجح القنوات الخلفية في إنتاج صيغة تسوية تضمن لكل طرف الحفاظ على حده الأدنى من المصالح الحيوية. إن الصراع الراهن يتجاوز الجغرافيا الإيرانية ليمس توازنات القوى العالمية الجديدة، وستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كان العالم سيشهد صفقة كبرى تنهي الأزمة، أم انفجارا يغير وجه المنطقة والعالم لعقود طويلة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى