
كتب أكرم بزي
تشهد منطقة الشرق الأوسط في شباط 2026 فصلاً جديداً من فصول “إدارة حافة الهاوية”، حيث لا يمكن فهم التفاعل الأميركي الإيراني الراهن من خلال الثنائية التقليدية للحرب أو السلام.
ما يجري فعلياً هو عملية هندسة دقيقة للتصعيد، يقترب فيها الطرفان من نقطة الانفجار دون عبورها، مدفوعين بتوازن معقد بين الرغبة في تحسين المواقع التفاوضية والخشية من الكلفة الكارثية للذهاب إلى النهاية. إننا أمام مشهد يتأرجح بين حشود عسكرية غير مسبوقة ووساطات دبلوماسية مكثفة، مما يشير إلى أن “الحكمة” بدأت تضغط على المكابح قبل الارتطام الكبير، محولة احتمالات الصدام الوشيك إلى فرصة لشراء الوقت والبحث عن مخرج سياسي.
تأتي هذه الانعطافة السياسية الحادة مع تصريحات دونالد ترامب التي لمحت إلى انفتاح قنوات التواصل، وهو ما يعكس انتقال إدارته من منطق “الضغط الأحادي” إلى منطق “الضغط القابل للتدوير”. فترامب، بصفته “رجل صفقات”، يفضل التلويح بالعصا العسكرية المتمثلة في وصول طائرات F-35 و F-18 ليحصل على جزرة الاتفاق الجديد. هذا الحراك يهدف إلى دفع طهران لمفاوضات جادة حول برنامجها النووي وصواريخها الباليستية، دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة قد تطيح باستقرار أسواق الطاقة العالمية وتلحق أضراراً جسيمة بمصالح واشنطن وصورة ردعها إذا ما فشلت في تحقيق حسم سريع.
في المقابل، لا تتصرف طهران كدولة محاصرة فقدت خياراتها، بل تدير الصراع بوعي عميق بأن “الزمن” هو عنصر قوة استراتيجي. فإيران، التي استقبلت “وسيط الدوحة” وأبدت مرونة تكتيكية عبر تأجيل مناوراتها الكبرى مع روسيا والصين حتى نهاية شباط، تسعى لتخفيف التوتر ومنع الانزلاق نحو صدام مباشر قد يعيد ترتيب الأولويات الداخلية بطريقة غير مرغوبة. هذا التأجيل، الذي وصف بأنه “بادرة حسن نية”، يفسح المجال للدبلوماسية بعيداً عن الاحتكاك المباشر مع الأساطيل الأميركية في مضيق هرمز، مما يؤكد أن الطرفين قررا تغليب لغة العقل والمصالح المشتركة على خيار الانتحار الجماعي.
وعلى الرغم من هذه الأجواء التبريدية، يبقى الميدان محكوماً بالحذر الشديد مع بقاء نوتام (تنبيه الطيارين) “كمين الخليج” نشطاً، وتصاعد ضغوط إسرائيل التي ترى في إسقاط النظام الإيراني غاية استراتيجية، خاصة بعد تعثر مشروع التطبيع الإقليمي. إن الضغوط الإسرائيلية والتلويح الأوروبي بتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية يمثلان “كوابح عكسية” قد تدفع باتجاه التصعيد. ومع ذلك، فإن العامل الأكثر حسماً يظل القيد الداخلي في كلا البلدين، فواشنطن لا تحتمل حرباً بلا نتائج سريعة، وطهران لا تملك ترف المواجهة الشاملة في ظل ضغوطها الاقتصادية، مما يجعل منع الحرب قراراً عقلانيا لا أخلاقياً، وخياراً قائماً على الحساب الدقيق لا على الحكمة المجردة.
إن الخلاصة التي يمكن استنتاجها هي أن المنطقة لا تقف على أعتاب انفجار فوري ولا تسوية تاريخية، بل تعيش حالة “تعليق مدروس” للصراع. الصدام مؤجل لا ملغى، والتسوية ممكنة لكنها تتطلب تنازلات مؤلمة لم تنضج ظروفها بعد. لذا، فإن كل تهدئة حالية يجب أن تُقرأ بوصفها “إدارة أزمة” لا حلاً لها، حيث تستمر اللعبة على أعصاب الزمن بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من نتائج لنوتام الخاص بالرادارات ومخرجات الوساطة القطرية، في ظل إدارة حافة الهاوية التي تمنع السقوط لكنها لا تصنع السلام.



