رأي

هكذا تُصنَع القطيعة بين المواطن والدولة(أسامة مشيمش)

 

بقلم د. أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز

في أحد الأحياء، فتح تاجر دكانه وعلّق إعلانًا واضحًا لا لبس فيه:

«بيبسي بـ2000 ليرة».

دخل الزبون، طلب البيبسي، ففوجئ بالسعر: «4000 من فضلك».

اعترض، أشار إلى الإعلان، فجاءه الجواب العبقري: «البيبسي بـ2000، والخدمة بـ2000».

دفع الزبون مكرهًا، فلا خيار آخر أمامه.

لكن المفارقة الكبرى كانت حين أعاد التاجر للزبون 2000 ليرة.

سأله بدهشة: «ليش رجعتلي المصاري؟»

فأجابه ببرودة قاتلة: «ما في بيبسي».

هذه القصة، على بساطتها، تختصر بدقة موجعة العلاقة القائمة اليوم بين المواطن اللبناني ودولته: دفعٌ إجباري، خدمات مُعلّقة، ونتيجة معدومة.

في لبنان، يدفع المواطن ضرائب ورسومًا وفواتير لا تُحصى: كهرباء، مياه، اتصالات، بلديات، ميكانيك، طوابع، وجمارك. يدفع من دخله المحدود، ومن مدخراته المنهوبة، ومن أعصابه المتعبة. لكن في المقابل، لا كهرباء، ولا ماء، ولا بنى تحتية، ولا ضمانات اجتماعية، ولا حدًّا أدنى من الشعور بالأمان. الدولة تطلب ثمن «الخدمة»، لكنها لا تملك «البضاعة».

هذا الواقع لم يعد مجرد أزمة اقتصادية أو خلل إداري، بل تحوّل إلى سلوك ممنهج يترك آثاره العميقة على وعي الناس ونفسياتهم. حين يدفع المواطن ولا يحصل على شيء، تتآكل فكرة العدالة، ويُقتل الإحساس بالشراكة الوطنية، وتُستبدل العلاقة بين الفرد والدولة بعلاقة خصومة دائمة.

من هنا، يصبح التهرب الضريبي، في نظر شريحة واسعة من الناس، ليس جريمة أخلاقية بل «ردّ فعل». فكيف يُطلب من المواطن أن يلتزم بدفع الضرائب لدولة لا تلتزم بواجباتها؟ وكيف يمكن إقناعه بأن المال العام يُنفق لمصلحته، وهو يرى نفسه مضطرًا لدفع ثمن كل خدمة مرتين: مرة للدولة، ومرة للقطاع الخاص الذي حلّ مكانها؟

الأخطر من ذلك، أن هذا المسار يولّد نزعة عدوانية متبادلة: دولة تنظر إلى مواطنيها كأرقام وجباية، ومواطنون ينظرون إلى الدولة كخصم يجب التحايل عليه. ومع الزمن، لا يبقى هناك انتماء فعلي للوطن، بل فقط ارتباط قسري بمكان لا يمنح أبناءه إلا الأعباء.

الانتماء الوطني لا يُفرض بالشعارات ولا يُستعاد بالخطب، بل يُبنى حين يشعر المواطن أن دولته تحميه، تخدمه، وتحترمه. أما حين تتحول الدولة إلى تاجر «خدمة» بلا مضمون، فإنها تساهم بنفسها في تفكيك فكرة الوطن، وتحويله إلى مساحة عبور لا أكثر.

في النهاية، قد يعيد لك التاجر بعض المال، وقد تعيد الدولة بعض الوعود، لكن الحقيقة المؤلمة واحدة:

لا بيبسي في المتجر… ولا دولة في البلاد.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى