المقاومة في مواجهة عواصف المنطقة وتحديات الداخل (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تتلاقى المواقف السياسية والميدانية لقيادة المقاومة في لبنان خلال مطلع عام ٢٠٢٦ لتشكل مشهدا متكاملا من الوعي والمسؤولية الوطنية، حيث يبرز تنسيق عميق في توزيع الأدوار يهدف إلى حماية الساحة الداخلية من الاهتزاز وسط العواصف الإقليمية المتسارعة.
وتأتي تصريحات الوزير السابق محمد فنيش الأخيرة لتعزز هذا التوجه من خلال تقديم قراءة هادئة وعقلانية للملفات الشائكة، مؤكدا أن الحزب لا يسعى إلى فرض إرادته بل يهدف إلى تفاهم وطني شامل يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع استفزاز أي بيئة، وهو ما يتقاطع بوضوح مع الرؤية الاستراتيجية التي يطرحها الشيخ نعيم قاسم والتي تؤسس لمرحلة من توازن الردع القائم على التداخل بين الجبهات وترابط المصائر في المنطقة.
إن جوهر هذا التعاطي المسؤول يظهر في كيفية إدارة العلاقة مع المرجعيات الوطنية والسياسية، حيث وضع الوزير فنيش النقاط على الحروف بوصفه الرئيس نبيه بري بأنه القامة الوطنية الكبرى والأخ الأكبر، ، وهي تسمية تتجاوز البروتوكول لتعبر عن عمق التحالف العضوي والحرص على مرجعية الدولة التي يمثلها بري في إدارة التوازنات اللبنانية المعقدة، وفي الوقت نفسه تبرز الحكمة في استيعاب التباينات السياسية كما ظهر في توضيح فنيش للعلاقة مع الرئيس عون، معتبرا أن الاختلاف في التعبير لا يفسد للود قضية ولا يعني القطيعة، بل يندرج ضمن السعي الدائم لاحتواء الأزمات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة تهدد السلم الأهلي.
على المستوى الإقليمي يظهر الخطاب السياسي للمقاومة نضجا استراتيجيا في التعامل مع التهديدات الكبرى، إذ يحذر فنيش من أن المخاطر القادمة على الشرق الأوسط قد لا تبقى محصورة في جغرافيا معينة، وهو تحذير يتماشى مع قراءة الشيخ نعيم قاسم الذي يرى أن استهداف العمق الإيراني يمثل محاولة لضرب مشروع المقاومة ككل، وهنا تكمن المسؤولية الشاملة في تنبيه الداخل اللبناني إلى ضرورة الاستعداد لمواجهة انعكاسات أي مواجهة إقليمية، ليس من باب التخويف بل من باب الجهوزية الوطنية، مع التأكيد على أن المقاومة ستبقى جزءا أساسيا من قدرات لبنان الدفاعية التي لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة في ظل استمرار الأطماع الإسرائيلية وتغافل بعض الأطراف الدولية عن التعديات المستمرة على السيادة اللبنانية.
إن إدارة الملفات الداخلية بعقلانية عالية كما وصفها فنيش تعني بالضرورة الانحياز لخيار الدولة ومؤسساتها، وهو ما يفسر البقاء في حكومة نواف سلام رغم الملاحظات على أداء بعض المسؤولين، حيث تعتبر القيادة أن الفراغ أو الاستقالة في هذا التوقيت الحساس يمثل هروبا من المسؤولية وتفريطا بمصالح الناس في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة.
وهذا الوعي بضرورة التعاون بين جميع القوى السياسية هو ما يمنح المقاومة شرعيتها الشعبية والسياسية المستمدة من قدرتها على الموازنة بين متطلبات الميدان وحاجات الاستقرار الاجتماعي، مما يجعل المشهد اللبناني رغم تعقيداته محصنا برؤية قيادية تعرف متى تصعد في وجه التهديدات الخارجية ومتى تنحني أمام مصلحة الوفاق الداخلي.
ويبرز الخطاب الموحد لكل من الشيخ قاسم وفنيش وبالتكامل مع حركية الرئيس بري ليؤكد أن المقاومة لا تتحرك في فراغ بل ضمن منظومة وطنية وإقليمية متكاملة، وهي تمتلك زمام المبادرة في تحديد توقيت وطريقة تدخلاتها بناء على مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، مع الحفاظ على عنصر المفاجأة وترك الباب مفتوحا أمام كافة الاحتمالات لتعزيز قوة الردع،
إن هذا النمط من التعاطي بمسؤولية يرسخ القناعة بأن حماية لبنان لا تبدأ فقط من الحدود ، بل تبدأ من تعزيز التفاهم الوطني الداخلي ورفض الانجرار إلى السجالات العقيمة، ما يضمن بقاء لبنان قويا في مواجهة المشاريع التي تستهدف هويته ودوره في المنطقة، وبذلك تكتمل صورة الوعي السياسي الذي يقود المرحلة الحالية ببراعة واقتدار.


