قالت الصحف: جلسة الموازنة تتحول سياسية .. وتكشف عمق الإنقسام في البلاد

الحوارنيوز – خاص
ابرزت صحف اليوم وقائع جلسات مناقشة الموازنة العامة في مجلس النواب حيث ركزت كلمات نواب المحور الأميركي على انتقاد الموقف المتضامن للشيخ قاسم مع ايران، فيما هم تجاهلوا الموازنة والاعتداءات اليومية على لبنان وشجعوا بطرقهم المختلفة على ضرب ايران!
ماذا في التفاصيل؟
- صحيفة النهار عنونت: موازنة على إيقاع اعتصامات ومساعدات خارجية! اتّساع الانتقادات للحزب وعون يتشبّث بالميكانيزم
وكتبت تقول: لم يكن أمراً عابراً أن تبرز منذ اللحظات الأولى لثلاثية أيام جلسات الموازنة، وقائع تكشف اتّساع عزلة “حزب الله” على خلفية الرفض العارم الذي أثاره آخر مواقفه المستهجنة في احتكار المغامرات الحربية، منادياً هذه المرة بالانخراط في الدفاع عن إيران في مواجهة احتمال تعرضها لضربات أميركية وإسرائيلية. والساعات القليلة التي ظهّرت اضطرار نواب الحزب إلى التراصف وتكثيف المداخلات في مواجهة الكلمات النيابية التي انتقدت تورّطه وارتباطاته وتدخلات إيران، بدت انعكاساً حيّاً للأجواء السائدة عقب خطاب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في تورّطه الإعلامي والكلامي المتصاعد نحو إثارة مزيد من العزلة اللبنانية والخارجية حول الحزب، بعدما أثار خطاب إعلان الاستعداد للدفاع عن إيران عاصفة انتقادات وتحذيرات تكشف أكثر فأكثر الهوة المتّسعة بين الحزب وغالبية عظمى من القوى والجهات والفئات اللبنانية. ومواقف قاسم لم تكن أساساً محل قبول عند الكثيرين من المناوئين للحزب، بالإضافة إلى أن شرائح كبرى من الشيعة لا تؤيد إشراك لبنان في أي مواجهة في حال وقوعها بين إيران وإسرائيل. ولم يتلق كثيرون، بدءاً من رئاسة الجمهورية إلى عدد كبير من أعضاء الحكومة ورئيسها نواف سلام كلام قاسم بارتياح، مروراً بكل القوى السيادية ووصولاً إلى حليف الحزب السابق رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، حيث أجمعوا على رفضهم إسناد “جبهة طهران” وحذّروه من إيقاع لبنان في حرب أخرى مع إسرائيل هي تريدها. وإذا وقعت ستقضي على ما تبقى من قدرات عند اللبنانيين”.
ولعلّ ما كتبه باسيل شكّل عيّنة معبرة عن انفضاض سياسي مطّرد حتى للحلفاء عن الحزب، إذ قال: “وحدة الساحات وحرب الإسناد دمّرا الحزب ولبنان وأسقطا الوظيفة الردعية للسلاح. مُحزِن نشوف اليوم تكرار جريمة توريط لبنان بدمار جديد بدل تحييده وحمايته”.
كما أن موقفاً بارزاً للرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تميّز بانتقاده الشديد للخطاب الذي ألقاه نعيم قاسم، واصفًا إياه بأنه “غير المسؤول، غير المسؤول، غير المسؤول”، وحذّر من تداعياته الخطيرة على لبنان في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.
وأما في جلسات الموازنة، فإن المصادفة شاءت أن تتزامن مع إعلان موافقة مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الدولي أمس على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار لمساعدة لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً خلال مرحلة التعافي الاقتصادي والمالي، وتحسين تقديم الخدمات العامة عالية الأثر من خلال التحوّل الرقمي للقطاع العام. ويغطي هذا التمويل مشروعين جديدين يهدفان إلى إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين من خلال توفير الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة رقمنة الخدمات العامة الرئيسية.
جاء هذا التطور البارز غداة المبادرة القطرية بتقديم رزمة مساعدات كبيرة للبنان في القطاعات الأكثر إلحاحاً وحيوية، ليسبغ على مناقشات الموازنة خلفية مضاعفة الأهمية لجهة تحرك المجتمع الدولي من خلال قطر والبنك الدولي نحو تدعيم الوضع الاقتصادي في لبنان بما يوحي بمؤشرات جديدة ذات خلفية دولية تكتسب أهمية كبيرة.
ومع ذلك، فإن ما طغى على انطلاقة أيام جلسات الموازنة كان خارج المجلس وليس داخله، إذ شقّ النواب طريقهم إلى ساحة النجمة بصعوبة على وقع احتجاجات العسكريين المتقاعدين واضطروا إلى تقديم وعود مباشرة لهم للسماح بالوصول إلى المجلس النيابي، كما شاركت فئات من الموظفين في القطاع العام في الاعتصامات بما عكس الاختناقات الاجتماعية التي تواجه الحكومة والمجلس في إقرار الموازنة.
وانطلقت مناقشة مشروع موازنة عام 2026 في جلسة اتّسمت منذ لحظاتها الأولى بالتوتر السياسي والسجالات الحادة، ما عكس حجم الانقسام العمودي داخل البرلمان، وأخرج النقاش سريعاً من إطاره المالي إلى مواجهة سياسية مفتوحة حول مفهوم الدولة والسيادة في ظل الموقف الاستفزازي لـ”حزب الله”.
ورسمت الكلمة التي القاها رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، مناخاً مشدوداً للمناقشات، إذ أكد فيها أن “اللجنة لاحظت غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية لمشروع الموازنة المحال إليها، وتدني نسبة الاعتمادات المخصصة للاجهزة الرقابية التي تتولى مراقبة أداء مؤسسات الدولة”. ولفت إلى أن “معظم الوزارات والإدارات والمؤسسات تقدّمت بطلبات زيادة لاعتماداتها ما يدل على تسرّع الحكومة.
كما أن كلمة رئيس لجنة الادارة والعدل النائب جورج عدوان حفلت بالانتقادات وتطرّق إلى الجانب السياسي، مشيراً إلى أن “أي رهان على وجود تنظيمات خارج الدولة هو خارج السياق كلياً ونحن على مفترق طرق، إما ننخرط في الدولة أو سنعاني جميعنا من مشكلة في الحاضر والمستقبل”.
وردّ بري على عدوان بالشأن المتصل باتفاق وقف النار والقرار 1701، فقال: “لبنان قام بواجباته كاملاً ولكن إسرائيل لم تلتزم بشيء”.
وتسبّبت كلمة النائب فراس حمدان بسجال حاد، إذ اعتبر أن “الهدف اليوم من أي مسار سياسي هو منع الانزلاق إلى أي تهوّر جديد”، وتطرق إلى الشأن الإيراني، خصوصاً التظاهرات التي حصلت مؤخراً، فطلب منه رئيس المجلس أن يلتزم بمضمون المناقشة المتّصلة بالموازنة، وهو ما فتح باب السجال واسعاً، حيث اعترض نواب من كتلة “الوفاء للمقاومة” على كلام حمدان، على اعتبار أنه لا يجوز المساس بشؤون دولة أخرى من على منبر المجلس النّيابي”. وردّ عليه النائب علي المقداد بالقول: “ما بيصير يعمل حملة انتخابية هون بالمجلس”. كما ردّ النائب علي فياض على حمدان: “روح عمول مؤتمر صحفي برا”، مشددًا على أنه “لا يجوز التعرض لأي دولة صديقة داخل مجلس النواب”.
بدوره، تدخل النائب سامي جميل، قائلًا إن لكل شخص الحق في قول ما يريد. وكان حمدان قال: “فيه مصاري الشيخ نعيم… إذا هو قادر يوقف الاعتداءات ويجيب المصاري”. وقاطع النائب إيهاب حمادة كلمة حمدان، وقال: “دولة الرئيس، حضرتو إذا عم بوجهلك أسئلة كمحقق وقاعد عم بحقق مع العالم، خليه بيللي هو فيه، خليه ضمن النقاش، عنا حقّ الردّ على الكثير من التفاصيل”، فأجاب حمدان: “حرية الرأي والتعبير لا يُمكن لأحد المساس بها، هذا رأينا وموقفنا السياسيّ”.
وفي الجلسة المسائية برزت حملة حادّة من النائب ميشال معوض على خطاب نعيم قاسم ومواقف حزب الله، كما انتقد النائب جبران باسيل الموازنة وطالب بجلسة مناقشة للحكومة واعتبر أن حلّ حصرية السلاح يكون في استراتيجية دفاعية، وكرّر انتقاد موقف الحزب من الدفاع عن إيران. وتميّزت كلمة النائبة غادة أيوب بتفنيد دقيق وتفصيلي واسع للمخالفات الدستورية والقانونية التي شابت الموازنة، معلنة الاحتفاظ بحق الطعن ببعض موادها.
في غضون ذلك، بدا لافتاً الإعلان أنه بتكليف من رئيس الجمهورية جوزف عون التقى المستشار الأمني والعسكري للرئيس عون العميد الركن المتقاعد انطوان منصور، في السفارة الأميركية مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الاعمال العدائية في الجنوب “الميكانيزم” العقيد الأميركي ديفيد ليون كلينغنسميث في حضور الملحق العسكري الأميركي في السفارة، وتم خلال اللقاء عرض تطوّر عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها في إطار تطبيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها. كما تم التأكيد على الأهمية التي يوليها الرئيس عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والأمن في البلاد.
وفي المعلومات المتوافرة لـ”النهار” أن زوار بعبدا يلمسون من الرئيس عون استغرابه لكل ما يشاع عن إلغاء أو تجميد عمل الميكانيزم فيما عملها العملاني مستمر بقيادتها الأميركية. وفي سياق سياسي آخر يشدّد هؤلاء على أن الرئيس عون يؤكد إجراء الانتخابات النيابية في موعدها بعد معالجة المادة المتصلة بالنواب الستة في انحاء الانتشار في قانون الانتخاب النافذ وهو أمر قد يستدعي إجراءها في حزيران أو تموز بدل أيار.
- صحيفة الأخبار عنونت: أميركا تتمسّك بـ«الغموض الاستراتيجي»: كفّة المواجهة تَرجح
وكتبت تقول: على رغم الحشد العسكري الأميركي الهائل، ليست ثمّة مؤشرات حاسمة في شأن نيّات واشنطن، وإنْ كان احتمال الهجوم على طهران لا يزال يتقدّم جميع السيناريوات، خصوصاً في ظلّ ممانعة الجمهورية الإسلامية تقديم التنازلات المطلوبة منها.
أنهت الولايات المتحدة حشد قوّتها العسكرية، الجوية والبحرية، في الشرق الأوسط، في خطوة قد تمهّد لعمل عسكري محتمل ضدّ إيران، لا تزال طبيعته محلّ جدل بين الخبراء: هل هو حرب شاملة، أم ضربة رمزية محدودة، أم أن الحشد نفسه لن يُترجم إلى فعل عسكري وسيُسحب بهدوء من دون اشتباك؟ وفي حال تقرّر الفعل، أين سيُنفّذ وكيف وما هو هدفه؟ هل هو ردع إيران، أم تغيير سلوكها، أم إسقاط نظامها؟ الواقع أن واشنطن تمتنع عن إرسال إشارات واضحة تكشف نيّتها الحقيقية، مواصِلةً على ما يبدو اتّباع سياسة «الغموض الاستراتيجي». وفي هذا السياق تحديداً، تأتي تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب – من مثل قوله إن «أسطولاً ضخماً يتّجه نحو إيران»، وفي الوقت نفسه إن الإيرانيين «يرغبون في التفاوض» -، لتمثّل جزءاً من خطاب استعراض القوّة، وليس إعلاناً عن قرار حربي وشيك، وتجلياً أيضاً لأسلوب ترامب «المميّز» في خلط التهويل العسكري بالتفاؤل الدبلوماسي، في محاولة لدفع الخصم إلى طاولة التفاوض من موقع ضعف.
في المقابل، تحذر إيران من أن أيّ هجوم – حتى لو كان رمزياً أو محدوداً – سيتمّ التعامل معه باعتباره «إعلان حرب شاملة»، وستردّ عليه طهران «بأقصى قوّة ممكنة». ورغم أن هناك في «بيئة القرار» الأميركي مَن يرى أن الوضع الداخلي الإيراني يمثّل، بشكله الحالي، «فرصة استراتيجية» نادرة – نتيجة الاحتجاجات والأزمة الاقتصادية الخانقة -، إلّا أن القرار النهائي حول كيفية استغلال هذه «الفرصة»، لم يُتّخذ بعد، علماً أن ثمة شبكة معقّدة من العوامل المتداخلة فيه: تقييمات استخبارية متضاربة، انقسامات داخلية بين مستشاري ترامب، حسابات تكلفة وفائدة، واعتبارات جيوسياسية تشمل مصالح إسرائيل ودول الخليج. وإلى ما تقدّم، يضيف شخص ترامب وأداؤه وطريقة تفكيره، طبقة سميكة جداً من عدم الوضوح.
ومع أن الخطاب الرسمي يشي بتصعيد محتمل، فإن كثرة الآراء المتداولة في وسائل الإعلام الأميركية، والتسريبات المتناقضة، والتصريحات الاستطلاعية من مسؤولين كبار وصغار، لا تشير إلى وجود مقدمة لقرار استراتيجي موحّد، بل إلى حال من التذبذب، يحاول خلالها كل طرف الدفع برؤيته: بين مَن يدعو إلى ضربة رمزية، ومَن يطالب بحملة عسكرية شاملة، وأيضاً مَن يفضّل أن يقتصر الأمر على الضغط الاقتصادي والاستخباري.
وعلي أي حال، فإن الحشد العسكري الأميركي يمثّل رافعة ضغط لخدمة مروحة واسعة من الخيارات – عسكرية وغير عسكرية -، يجري وزنها وفقاً لما هو «ممكن» أو «مستحيل». فترامب نفسه يسعى، من جانبه، إلى تحقيق أقصى مكاسب ممكنة، بأقلّ التكاليف، وهو ما يعتقد أن التحشيد يصبّ في خانته، من طريق دفع الإيرانيين إلى التفاوض. لكن ماذا لو لم تخضع إيران للترهيب؟ هل ينكفئ الجانب الأميركي وكأنَّ شيئاً لم يكن؟ علماً أن كلّ انكفاء من دون نتيجة، سيُنظر إليه على أنه إخفاق وفشل، ما يؤثّر سلباً ليس فقط على مسار مواجهة إيران وإخضاعها، بل على الصورة التي تروّجها الإدارة عن نفسها.
في المقابل، تنظر إيران إلى الحشد العسكري الأميركي كمقدمة محتملة لعمل عدائي واسع النطاق، خصوصاً في ضوء الشروط الأميركية المسبقة للتفاوض، والتي تراها طهران مساساً بجوهر هوية النظام الإسلامي وعلّة وجوده، ومعادِلة، في نظرها، لـ«إسقاطه سياسيّاً» من دون غزو عسكري. وعليه، ترى طهران أنها ملزمة ليس بالثبات أمام الاعتداءات والترهيب فقط، بل بأن تظهر توثبها وقدرتها على الإيذاء، سواء كانت الاعتداءات المتوقّعة عليها محدودة أو موسعة. ذلك أن أيّ اعتداء أميركي – حتى لو كان رمزيّاً – يعدّ اعتداءً استراتيجيّاً بمعانٍ وجودية، في حين أن الردّ عليه بالصمت أو التنازل، ولو لمرّة واحدة، سيُرسّخ سابقة خطيرة، لا يمكن الجمهورية الإسلامية التعايش معها، في ظلّ استمرار العداء الأميركي لها والتربص بها. وحتى الردّ، إذا ما أريد أن يكون رادعاً، لا يمكن أن يأتي رمزيّاً، بل يجب أن يُظهر قدرة طهران على فرض تكلفة باهظة، تجعل واشنطن تتردّد قبل أن تفكر في تكرار الاعتداء.
لكن التزام إيران بالردّ على كل استفزاز، مهما كان صغيراً، قد يفتح الباب أمام تصعيد وانفلات، لا يمكن إيقافهما بسهولة. وهنا تكمن المعضلة المشتركة: فبينما القرار الأوّلي بالتصعيد ينبع من واشنطن، فإن الديناميكية التي يولّدها – خاصة في ظلّ عقيدة الردع الإيرانية التي لا يمكن طهران تجاوزها بسهولة – قد تجرّ كلا الطرفين إلى حرب لا يطلبها أحدهما صراحة.
- صحيفة الديار عنونت: لبنان في العاصفة: لا مخرج قريب
جلسة الموازنة تكشف عمق الانقسام بين الدولة والشارع
هجوم مضاد لاستعادة «الميكانيزم»
وكتبت تقول: على وقع التصعيد المفتوح في المنطقة، يعود لبنان، المتروك مجددا أمام قدره المعلّق بين تسويات مؤجلة وانفجارات محتملة، ليتصدر واجهة الاشتباك غير المباشر، لا بوصفه لاعباً، بل كساحة اختبار إضافية لتوازنات القوة، الآخذة في التبدل. ففي مشهد يختصر الواقع الداخلي «المشربك»، انعقدت جلسة مجلس النواب لإقرار موازنة 2026، لتسيير ما تبقى من مؤسسات، على وقع صخب الشارع الغاضب، حيث تلاقت الهتافات مع أصوات النقاشات، في دولة تناقش أرقامها فيما شرعيتها تتآكل في الشارع.
في الموازاة، تستمر مفاعيل «تعليق عمل» الميكانيزم، الذي اسقط ما تبقى من مسارات ضبط الوضع، فاتحا الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الميداني، عبر عمليات عسكرية تتوسع شمال وجنوب الليطاني، في مؤشر واضح إلى أن تل أبيب قررت رفع السقف، مستفيدة من الغطاء الإقليمي والدولي، ومن هشاشة الداخل اللبناني وانقسامه.
وسط هذا المشهد، تتحضر واشنطن لإطلاق خطة جديدة للبنان، لا تنفصل عن سياق التصعيد ولا عن التحولات العسكرية في المنطقة. خطة يُخشى أن تكون أقرب إلى إدارة أزمة طويلة الأمد منها إلى مشروع إنقاذ فعلي، قائمة على معادلة الضغط والاحتواء، تضع لبنان عند تقاطع مصيري: تصعيد إقليمي يتدحرج، عدوان إسرائيلي يتمدد، وتماسك داخلي هش.
المواجهة حتمية؟
فكل شيئ في الاقليم يوحي بأن الحرب ضد إيران قد اقترب موعدها: الاستعدادات اللوجستية القائمة على قدم وساق، الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق في المنطقة، منذ حرب الخليج الثانية، الاتصالات العسكرية على خط واشنطن – تل أبيب، وتعليق شركات الطيران العالمية رحلاتها الليلية إلى بعض دول المنطقة.
غير ان تجارب الحروب عبر التاريخ، من جهة، وتقلبات الرئيس دونالد ترامب، من جهة ثانية، وقلق دول كثيرة، من جهة ثالثة، تعلمنا أن الأمور قد تتغير في ربع الساعة الأخير، وسط حديث عن فتح قنوات اتصال لتفادي الحرب، بوساطة روسية، نجح في فتحها مستشار الرئيس دونالد ترامب الى موسكو، الجمعة الماضي، ستيف ويتكوف.
حتى الآن الرئيس الأميركي يتحدث عن إنهائه سبعة حروب وعن رغبته بالسلام الشامل هذا أمر مهم وجيد وربما ينعش أمال السلام والرفاهية والاستقرار عند البعض. فعن أي سلام يتحدث؟ ومن سيخدم؟ المنطقة وشعوبها أم مصالح واشنطن وتل ابيب؟ ثم ماذا لو نجح ترامب ونتانياهو في إسقاط النظام الإيراني ودخلنا بالفوضى؟ أم أن نتانياهو سيشعر بأن مشروعه لإقامة إسرائيل الكبرى قد اكتمل ويتصرف كسيد المنطقة بلا منازع؟ هل سنكون أمام تغييرات استراتيجية كبرى تعيدنا إلى عصر سايكس بيكو أو أسوأ منه وسط نذر التقسيم التي تلوح في كل مكان؟ والسؤال الأهم ماذا عن لبنان؟ وكيف سيكون مصيره بعد هذه الحرب أو الصفقة لو وقعت؟
جلسة الموازنة
والى الداخل، الذي سجل امس جلستين نيابيتين، قبل الظهر وبعده، لمناقشة الموازنة العامة، في الظاهر، انما الاهم فرصة ليدلي كل نائب بدلوه عشية الانتخابات النيابية العتيدة، حيث عكست كلمات ممثلي الامة، حجم التباين المالي والسياسي حول مشروع الموازنة، وصولًا إلى سجالات حادّة طغى فيها الشقّ السياسي على النقاش المالي.
سجال داخل القاعة
فكلمة النائب فراس حمدان فجّرت سجالًا سياسيًا داخل القاعة، لا سيّما عند تطرّقه إلى ملفات تتجاوز الموازنة، لتصل الى التظاهرات في إيران، إضافة إلى عبارات اعتُبرت استفزازية من قبل نواب «الوفاء للمقاومة»، ما دفع برئيس المجلس الى الطلب أن يكون الكلام موجّهًا إليه مباشرة وأن يُحصر النقاش بالموازنة. ومع استمرار النقاش على هذا المنحى، اعترض النائب علي المقداد معتبرًا أنّ ما يحصل «حملة انتخابية داخل المجلس»، طالبا حذف ما قيل من المحضر، مشددًا على عدم جواز الحديث عن «دولة صديقة للبنان» من منبر البرلمان.
كما قال النائب علي فياض إن الأصول تفرض عدم التطرّق إلى هذا النوع من المواضيع داخل المجلس، داعيًا من لديه موقف سياسي إلى التعبير عنه في مؤتمر صحافي بدلًا من التعرض لدولة أخرى داخل الهيئة العامة.
في المقابل، ردّ النائب سامي الجميّل بالقول إن كل نائب «حرّ أن يقول ما يريد» ولا يجوز مقاطعته. كذلك تدخّل عدد من نواب الكتائب، بينهم النائب الياس حنكش، معتبرين أن حق الكلام مكفول داخل المجلس وخارجه، كما تدخّل النائب حبيب صادق بالموقف نفسه، لينتهي النقاش، بتدخل بري، بعد ارتفاع حدّة الأصوات، عند هذا الحد.
تحرّكات بالتزامن مع الجلسة
وبالتزامن مع انعقاد الجلسة، وفي موازاة التحرك الاحتجاجي للعسكريين المتقاعدين، شهدت ساحات بيروت تظاهرة حاشدة نظّمها موظفو القطاع العام، رفعوا خلالها شعارات مطلبية ضاغطة رفضًا للسياسات المالية المطروحة، وتحذيرًا من تداعياتها على رواتب وأوضاع العاملين في القطاع العام، الذين اكدت اوساطهم «أنّ النزول إلى الشارع جاء بعد أشهر من الوعود غير المنفّذة، وأنّ الخيارات التصعيدية تبقى مفتوحة في حال الإخلال بالتعهّدات الحكومية»، كما عمد محتجون في شكا إلى قطع المسلك الغربي للأوتوستراد لبعض الوقت عبر إطارات مشتعلة، في إطار التحركات الاعتراضية.
من جهتها رات مصادر العسكريين المتقاعدين أنّ «عدم تلبية المطالب التي سبق أن وافقت عليها الحكومة سيُقابل بتصعيد مفتوح في الشارع»، مشددة على أنّ «لا سقف زمنيا للتحرّكات، والناس لم يعد لديها ما تخسره»، محذرة أنّ «التحرّك الحالي سلمي، لكن هذا لا يعني أنّ كل التحرّكات المقبلة ستكون كذلك، حيث بنك الاهداف كبير وموجع»، داعية إلى «أخذ هذا الواقع على محمل الجد، ولا سيّما في ظلّ اقتراب الاستحقاقات الانتخابية»، مهددة «النواب الذين لا يلبّون مطالب الناس لن يحظوا بأصواتهم».، خاتمة « «القضية هي قضية كرامة وعنفوان».
موقف لبنان
في الاثناء استمر الشغل الشاغل، على الصعيدين الداخلي والخارجي، منصبا على معرفة حقيقة موقف حزب الله والخطوات التي يعتزم القيام بها، في حال الانفجار الاقليمي، خصوصا ان كلمة الامين العام للحزب الاخيرة، زادت المشهد ضبابية، حيث نقلت مصادر مواكبة، نقلا عن دبلوماسي اوروبي «شرقي»، مقيم في دمشق، قوله امام زميله، في سفارة بلاده في بيروت، خلال زيارته لها، قبل ايام، «عن عملية خطيرة مقبلة على لبنان، تشمل تقدما بريا قد يتخطى نهر الليطاني»، متقاطعا، مع تقارير استخباراتية «اقليمية»، وصلت الى العاصمة اللبنانية، اشارت الى ان «اي ضربة ضد ايران، ستبدأ من لبنان، عبر هجمات ينفذها الجيش الاسرائيلي ضد القواعد الخلفية للحزب وصولا الى الضاحية الجنوبية، بهدف ارباك الوضع الداخلي اللبناني، عبر التسبب بموجات نزوح وتهجير».
«الميكانيزم» تابع
وسط هذا الجو، استمر الهجوم اللبناني المضاد، في محاولة لاعادة الروح الى لجنة «الميكانيزم»، التي على الرغم من حسم قرار حصرها بالعسكريين، في حال تقرر عودتها الى الاجتماع، الا انه لم يحدد اي موعد لها حتى الساعة، خلافا لكل ما يسرب، وفقا لمصادر متابعة، والتي كشفت ان الموقف الاميركي بشانها نابع من الموقف اللبناني نفسه، «بان شمال الليطاني غير جنوبه»، وبالتالي استنادا الى التقارير اللبنانية بانتهاء المهمة في هذا «القطاع»، فان الميكانيزم باتت بحكم التصفية مع انجازها لوظيفتها وفق المفهوم اللبناني، حيث ان عملها التقني والعسكري لا يشمل شمال الليطاني، باستثناء بعض الحالات السابقة فيما خص الضاحية الجنوبية وبالتالي بات من الضروري ايجاد هيكل تفاوضي جديد لبحث باقي النقاط «غير العسكرية» من اتفاق 27 تشرين.
لقاء عوكر
في هذا السياق، جاء لقاء المستشار الأمني والعسكري لرئيس الجمهورية، العميد المتقاعد انطوان منصور، مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الاعمال العدائية في الجنوب «الميكانيزم» العقيد الأميركي David Leon Klingensmith في حضور ملحق الدفاع في السفارة الاميركية في بيروت العقيد Jason Belknap في السفارة الأميركية في عوكر، حيث تناول البحث عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها، والتأكيد على أهمية عملها لتثبيت الاستقرار والامن.
زيارة هيكل
في غضون ذلك، تكشف المعطيات، أنه في حال بدأ الهجوم ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتقرر أن تمتد لأيام، فإن جميع المواعيد المحددة للقيادة العسكرية اللبنانية في واشنطن سيتم إلغاؤها، نتيجة انشغال البنتاغون والقيادة الوسطى بسير العمليات العسكرية على الأرض.
وفي هذا الاطار كشفت مصادر دبلوماسية بأن واشنطن والرياض، لن تضعا كامل ثقلهما في مؤتمر دعم الجيش اللبناني، في ظل مقاربة حذِرة للمسار الحالي، رغم تسجيل حراك قطري – مصري في الكواليس، يهدف إلى تعديل المسار المطروح والعمل على توحيد موقف الدول المعنية، بما يفضي إلى مقاربة مشتركة وعلى موجة واحدة تجاه ملف دعم الجيش اللبناني، مؤكدة أن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة الأميركية، ستحدّد مستوى الدعم الذي سيحصل عليه الجيش في مؤتمر باريس مطلع آذار المقبل.
تصعيد ميداني
مخاوف عززها الواقع الامني المتفجر، مع تكثيف وتيرة الغارات، على مناطق واسعة في الجنوب، تركز معظمها شمال نهر الليطاني وجنوب نهر الأوّلي، في رسالة واضحة، ليس فقط إلى حزب الله، بل أيضًا إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، في إطار التلويح بمرحلة جديدة قد تتّجه نحو فرض معادلات بالقوة، وعلى رأسها ملف «حصر السلاح» بين النهرين، في ظل استعداد جهات دولية للمضي بخيارات أكثر حدّة إذا اقتضت التطورات ذلك، وفقا لاوساط مطلعة، جازمة بأنّ إسرائيل ستكون حاضرة في أي مواجهة، خاتمة بان واشنطن ليست في وارد الضغط على تل ابيب في الوقت الحالي، فيما خص الملف اللبناني، اذ ما يحصل هو العكس تماما، مع «تلزيم» تل ابيب الساحة اللبنانية، وهو ما سيتظهر بشكل واضح خلال الاسابيع القادمة، خصوصا في حال نفذت الضربة ضد طهران.
تمويل جديد
وبين الاستثمارات المرتقبة، مع جرعة الدعم القطري، والتوترات الأمنية المتصاعدة، تتداخل فرص الدعم الخارجي مع تحديات الداخل، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات حاسمة على أكثر من مستوى، حيث كشفت وكالة رويترز عن موافقة البنك الدولي على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار للبنان لدعم الفقراء والخدمات العامة.



