المعارضة الشيعية في لبنان : بين نقد السلطة وخطر الانسلاخ عن الجماعة (الشيخ عباس الجوهري)

كتب الشيخ عباس الجوهري – الحوارنيوز
ليس مأزق المعارضة الشيعية في لبنان سياسيًا فحسب، بل هو مأزق هويّاتي بامتياز. فهي لا تواجه حزبًا أو تنظيمًا بعينه، بل تصطدم بسؤال أعمق وأكثر حساسية: كيف يمكن معارضة القوة المهيمنة داخل الجماعة، من دون الخروج من الجماعة نفسها؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا ولا سجالًا نظريًا، بل مسألة تتعلق ببقاء الخطاب وقدرته على التأثير. فالمعارضة التي تفقد صلتها ببيئتها، تفقد تلقائيًا شرط وجودها السياسي.
الهوية: من الانتماء المركّب إلى الهوية القاتلة
يحذّر أمين معلوف، في كتابه الهويات القاتلة، من اختزال الهوية في بعد واحد، لا من الهوية بحد ذاتها. فالهوية لا تصبح خطرًا إلا عندما تُطرح بوصفها حصرية، مُغلقة، تُقصي سائر الانتماءات الأخرى.
الهوية، وفق هذا الفهم، تركيب لا اختزال. يمكن للفرد أن يكون شيعيًا ولبنانيًا وعربيًا في آن واحد، من دون تناقض. تبدأ الأزمة حين يُطلب منه أن يكون واحدًا فقط… أو لا يكون.
في لبنان، حيث الجماعة ليست مجرد إطار ثقافي بل شبكة أمان اجتماعي ونفسي، لا يمكن بناء وطن سليم عبر نفي الهوية الطائفية أو تحقيرها. فالوطن الذي يُبنى على المحو، يتحول سريعًا إلى وطن خاص بغير أهله.
المعارضة والقطيعة: حين يخسر الخطاب جمهوره الطبيعي
جزء من المعارضة الشيعية، مدفوعًا بالغضب أو اليأس أو الرغبة في القطع الجذري، اختار خطابًا يقوم على القطيعة الكاملة مع البيئة، والتبرؤ من الرموز، وتبنّي لغة تصادمية لا تميّز بين الحزب والجماعة.
لكن النتيجة لم تكن توسيع دائرة التأثير، بل تضييقها. خطاب أكثر حدّة، وأقل وصولًا. فالكلام الذي لا يشبه الناس لا يدخل وجدانهم، حتى لو كان محقًا في مضمونه. والمعارضة التي تخاطب جمهورًا آخر، لا تستطيع تغيير جمهورها الأصلي.
معارضة من داخل الجماعة: هاني فحص ومحمد حسن الأمين
في هذا السياق، تبرز تجربتا السيد هاني فحص والسيد محمد حسن الأمين كنموذجين دالّين على إمكانية النقد العميق من داخل الجماعة لا من خارجها. لم يكن أيٌّ منهما جزءًا من السلطة السياسية، ولم يتحولا إلى فقهاء تبرير، لكنهما أيضًا رفضا طريق القطيعة والتبرؤ من المجتمع الشيعي.
مارس الاثنان نقدًا صريحًا لتديين السياسة ولاختزال الدين في مشروع سلطوي، لكن من موقع الألفة لا العداء، ومن داخل اللغة الرمزية للبيئة الشيعية لا من خارجها. هاني فحص، بلغته الأدبية الوجدانية، أعاد فتح التراث بدل كسره، واستحضر الإمام علي والحسين بوصفهما قيمتين أخلاقيتين جامعتيْن لا أدوات تعبئة حزبية، فبقي صوته مسموعًا حتى لدى من اختلفوا معه. أما محمد حسن الأمين، فقد قدّم العقلانية باعتبارها امتدادًا أصيلًا للفقه الشيعي لا نقيضًا له، وانتقد تسييس العقيدة دون تحويل المتدينين إلى خصوم.
ما يجمع التجربتين أنهما رفضتا معادلة: إمّا الولاء الأعمى أو الخروج من الجماعة. وأثبتتا، بالفعل لا بالشعار، أن الاختلاف الجذري ممكن من داخل الهوية، وأن اللغة المشتركة ليست مساومة بل شرط تأثير وبقاء.
في المقاومة: التمسك بالمبدأ ونقد المسار
من المهم التوضيح أن هاني فحص ومحمد حسن الأمين لم يكونا يومًا خارج فكرة المقاومة أو مترددين في مواجهة المشروع الإسرائيلي. كلاهما انطلق من قناعة راسخة بأن إسرائيل عدو، وأن مقاومتها حق وواجب، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من الاحتلال والاعتداءات.
لكن الخلاف كان حول المسار لا المبدأ: حول كيفية إدارة المقاومة، وحول تحويلها من فعل دفاعي يحمي المجتمع إلى مشروع سياسي يحتكر القرار ويضيّق على التعدد داخل الجماعة. نقدهما لم يكن طعنًا بالمقاومة، بل حرصًا عليها، وسعيًا إلى إبقائها عامل قوة جامع لا سبب انقسام، ودرعًا في مواجهة العدو لا أداة صراع داخلي.
اللغة المشتركة: السياسة تبدأ من اللسان
في بحثنا عن الهوية، تطرقنا إلى فكرة بالغة الدلالة: مجرد الحديث بلغة مشتركة يولّد الطمأنينة، حتى قبل الوصول إلى الاتفاق.
اللغة ليست وسيلة نقل للأفكار فقط، بل أداة تهدئة أو استفزاز، جسر أو جدار. حين تستخدم المعارضة لغة تُجرّم الجماعة، أو تسخر من رموزها، أو تُشعر الناس بأنهم متهمون سلفًا، فإنها لا تحررهم، بل تدفعهم تلقائيًا إلى الاحتماء بالخطاب الأكثر صلابة، حتى لو كان أكثر استبدادًا.
المعارضة كفنّ بقاء داخل الجماعة
في المجتمعات المركّبة، المعارضة ليست فعل قطيعة، بل فنّ البقاء داخل الجماعة مع الإصرار على نقدها. المعارضة المسؤولة لا تحوّل الهوية الشيعية إلى تهمة، ولا تجعل الانتماء عبئًا أخلاقيًا، ولا تختزل الحزب في الجماعة ولا الجماعة في الحزب.
هي معارضة تميّز بوضوح بين الانتماء والولاء، بين الهوية والسياسة، بين العقيدة وخيارات السلطة. وهذا التمييز ليس ضعفًا، بل شرط التأثير الحقيقي.
من معارضة “أنقى” إلى معارضة “أسمع”
ليست مشكلة المعارضة الشيعية في صدقيتها، بل في قابليتها لأن تُسمع. فالسياسة لا تُقاس بصفاء النيات وحده، بل بالقدرة على مخاطبة الناس حيث هم، لا حيث نريدهم أن يكونوا، وباللغة التي يفهمونها لا التي نرتاح إليها فقط.
المطلوب اليوم خطاب وطني لا يعادي الجماعة، ونقد سياسي لا يتحول إلى محاكمة هووية، ومعارضة تُشبه مجتمعها بما يكفي لتغيّره.
خاتمة
المعارضة التي تخسر جماعتها، لن تكسب الوطن.
والهوية حين تتحول إلى سلاح، تقتل أصحابها قبل خصومهم.
في لبنان، الطريق إلى الدولة لا يمر فوق الجماعات، بل عبرها.
ومن لا يتقن لغة المشترك، سيبقى صوته عاليًا… لكن صداه ضعيفًا.



