الإعلام المقاوم بين الالتزام الأخلاقي والانزلاق إلى الشعبوية التحليلية(أسامة مشيمش)

بقلم : الدكتور أسامة توفيق مشيمش- الحوارنيوز
يشكّل الإعلام، ولا سيما في البيئات التي تعيش صراعًا مفتوحًا، أحد أهم عناصر المواجهة الثقافية والمعنوية، إذ لا يقتصر دوره على نقل الحدث، بل يتعدّاه إلى صناعة الوعي، وضبط الإيقاع النفسي للجمهور، وحماية السردية الجماعية من التشويه أو التفكيك. وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول أدوار بعض الإعلاميين والمحللين السياسيين الذين تصدّروا المشهد تحت عنوان “الدفاع عن المقاومة وبيئتها”، ثم انتقلوا لاحقًا إلى أنماط تحليلية تثير إشكاليات أخلاقية ومنهجية عميقة.
لقد ساهمت وسائل الإعلام المحسوبة على خط المقاومة، بقصد أو من دون قصد، في صناعة نجومية عدد من المحللين، من خلال منحهم مساحات واسعة، وتقديمهم كأصوات موثوقة، بل أحيانًا كبدائل عن محللين سبق أن غادروا هذا الخط أو ارتدّوا عنه. هذا الاستثمار الإعلامي، الذي كان يفترض أن يُبنى على معايير مهنية واضحة، تحوّل في بعض الحالات إلى رهان على خطاب متطرّف أو شعبوي، يقوم على المبالغة، واستثارة العواطف، وتكريس منطق “كسب الجمهور” على حساب العمق والتحليل الرصين.
الإشكالية لا تكمن في الدفاع عن المقاومة، فهذا حق مشروع وواجب أخلاقي في سياق الصراع، بل في الأسلوب الذي يُدار به هذا الدفاع. إذ إن الانزلاق إلى ما يشبه “اللعب في ملعب القرية” – وفق منطق الشوط العالي وكسب التصفيق – يُفرغ الخطاب من قيمته العلمية، ويحوّله إلى استعراض إعلامي آني، سرعان ما ينقلب على أصحابه. الأخطر من ذلك، هو انتقال بعض هؤلاء المحللين من موقع المدافع إلى موقع “المحقق الاستقصائي”، متسلحين بعلاقات شخصية مع شخصيات قريبة من دوائر القرار، ليقدّموا ما يعتبرونه “معلومات أمنية حساسة” في توقيت بالغ الدقة.
إن هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية حول حدود الدور الإعلامي، والفاصل بين التحليل السياسي والمسؤولية الوطنية. ففي ظل معركة لم تنتهِ بعد، يصبح الكشف غير المنضبط، أو التحليل ذو الوجهين، عنصر إرباك لا عنصر إسناد، وقد يُلحق ضررًا بالبيئة التي يدّعي صاحب الخطاب الدفاع عنها. فالإعلام المقاوم ليس منصة لتصفية الحسابات، ولا مختبرًا لتجارب شخصية، بل هو جزء من منظومة صمود تتطلب الحكمة والانضباط.
من هنا، فإن النصيحة التي كانت تُقال سابقًا بلغة المجاز، باتت اليوم تُقال بوضوح: جمهور وبيئة المقاومة يتألمان من هذه الممارسات، ويملكان ذاكرة سياسية لا تُخدع طويلًا. وأمام من يتمادى في هذا النهج، يبرز خياران لا ثالث لهما: إما مراجعة الذات والتراجع عن هذا المسار، أو القطيعة مع البيئة والانخراط في موقع آخر بخطاب مختلف.
إن التاريخ القريب يعلّمنا أن كثيرًا من المصفقين الآنيين سرعان ما يتنكرون عند أول اختبار جدي. لذلك، يبقى الرهان الحقيقي على الإعلامي الواعي، الذي يدرك أن النجومية زائلة، وأن الالتزام الأخلاقي هو وحده ما يمنح الخطاب شرعيته واستمراريته.



