قالت الصحف: قراءات في الأولويات الوطنية والأولويات المقلوبة

الحوارنيوز – خاص
قرأت صحف اليوم في تطورات المشهد اللبناني فرأت بعضها وجوب تثبيت الأولويات الوطنية اللبنانية لجهة تثبيت حق لبنان بسيادته وسيادة قراراته، فيما مالت صحف نحو تبني أولويات مقلوبة تتخلى بموجبها عن السيادة لصالح كلام الحصرية وما تنطوي عليه من تنازلات وخضوع لشروط العدو…
فماذا في التفاصيل؟
- صحيفة النهار عنونت: من عاصفة نعيم قاسم إلى عملية الفرقة 91… سباق إسرائيل و”حزب الله” على الاستباحة
وكتبت تقول: مع أن الصورة العامة للمشهد اللبناني مالت في الأسبوع الماضي، وسط انشداد الأنظار الدولية والإقليمية نحو إيران واحتمالات الضربة الأميركية لها المؤجلة أو بالأحرى “العالقة”، نحو ستاتيكو تبريدي ظاهراً لم يخرقه سوى موجات متقطعة من الغارات الإسرائيلية “الكلاسيكية” على مناطق في الجنوب والبقاع الغربي والهرمل، فإن ظاهر المشهد لا يعكس باطنه ولا يبعث على الاطمئنان “الزائف”.
ذلك أن العامل الإيجابي الذي تمثّل في عودة إبراز تحرّك المجموعة الخماسية التي تضم سفراء الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، والذي يجري رصد تأثيره الفعلي على إنجاح مؤتمر دعم الجيش اللبناني في الخامس من آذار المقبل في باريس، بدا وفق معطيات دقيقة توافرت لـ”النهار”، في خلفيته غير المعلنة بمثابة فرامل لاندفاعة تصعيدية تتربّص بلبنان، بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران المتمثل بـ”حزب الله”. وإذا كانت كل المؤشرات تجمّعت عند استبعاد ضربة إسرائيلية واسعة وذات طابع شمولي لـ”حزب الله” في مناطق انتشاره ومواقعه، أقلّه في الظرف الحالي، فإن المخاوف من تصعيد متدحرج عادت لتلوح في الأفق في ظل المدّ والجزر اللذين يظلّلان الوضع بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بما يوجب على السلطات في لبنان، وفق المعطيات نفسها عدم التراخي والتنبّه إلى محاذير حسابات ربح الوقت، في حين قد يتفلّت الوضع الميداني من آخر ضوابط الخطوط الحمراء في أي لحظة. وتذهب هذه المعطيات إلى التخوف من أن يكون “اتفاق وقف الأعمال العدائية” الذي عرف باتفاق 27 تشرين الثاني 2024 قد بلغ أخطر مراحل الموت السريري، بفعل الإمعان في انتهاكه من جانبي إسرائيل و”حزب الله” سواء بسواء، علماً أن الحزب برفضه المعاند لخطة حصر السلاح بيد الدولة في شمال الليطاني وإمعانه في تفسيره الجامح المجتزأ للاتفاق وحصره في جنوب الليطاني يزوّد إسرائيل الحجة الأكبر للإمعان في انتهاكه إلى حدود تلاشيه تماماً.
وما أعاد الإضاءة على مصير الاتفاق راهناً هو الإرجاءات المتكررة لاجتماعات لجنة “الميكانيزم” بعد وقت قصير من تطعيمها بمدنيين بما يثير الالتباس حول الموقف الأميركي المتحكّم بهذه اللجنة، واقترن ذلك بالإيحاءات والمؤشرات المتبادلة ما بين إسرائيل و”حزب الله” للإطاحة واقعياً بمجمل حالة اتفاق وقف الأعمال العدائية. وإذا كان الموقف الإسرائيلي معروف في ظل تفوّق عسكري هائل يتحكّم بمفاصل الوضع، فإن الهجمة المقذعة التي شنّها الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم قبل يومين على كل رموز الدولة اللبنانية وتهديده جميع اللبنانيين بفوضى السلاح والقتل في مقابل نزع سلاح حزبه، لم يترك أدنى شك في بصمات إيران وتوظيفها للحزب حتى الرمق الأخير في المواجهة المصيرية التي يخوضها النظام الإيراني مع أميركا وإسرائيل وفي الداخل الإيراني نفسه.
في أي حال، تسابق الحزب وإسرائيل على رسم معالم الدفع بلبنان نحو متاهات الغموض الملتبس والتصعيد الموعود، إذ غداة هجوم نعيم قاسم على الدولة اللبنانية، كتبت كابتن إيلا، رئيسة مكتب الإعلام العربي في الجيش الإسرائيلي ونائبة قائد وحدة المتحدث باسم الجيش، عبر حسابها على منصة “إكس”، “إن قوات الوحدة متعددة الأبعاد، العاملة تحت قيادة الفرقة 91، استكملت خلال الشهرين الأخيرين مهمتها في جنوب لبنان، بهدف منع تموضع منظمة حزب الله في المنطقة”. وأوضحت أن “نشاط الوحدة شمل جمع معلومات استخباراتية، ورصد بنى تحتية معادية، وتوجيه النيران، إضافة إلى تقديم المساعدة للقوات البرية والجوية، ما أسفر عن تدمير بنى تحتية تابعة لمنظمة حزب الله وتحييد عناصر منها”.
وكان الشيخ نعيم قاسم أثار عاصفة تنديد ورفض نيابي وسياسي لتهجّمه المتفلت على الدولة والإمعان في رفض حزبه لحصرية السلاح، وتهديده بالويل والثبور في حال تنفيذ الخطة شمال الليطاني. وفي تتويج للحملة التي شنّها نواب حزبه على وزير الخارجية يوسف رجي، قال قاسم إنّ “عدم وجود وزير للخارجية اللبنانية عطّل الديبلوماسية”، متسائلاً “لمن هو وزير الخارجية؟ إنه يعمل خارج سياسة الدولة والعهد، ويتلاعب بالسلم الأهلي ويحرّض على الفتنة وهو ضدّ العهد والحكومة وضدّ الشعب اللبناني وضدّ المقاومة”، معتبراً أنّ “الحكومة اللبنانية تتحمّل مسؤولية هذا الخلل الذي اسمه وزير الخارجية، إمّا بتغيير الوزير وإمّا بإسكاته وإمّا إلزامه بسياسة لبنان”. وقال عن تسليم سلاح الحزب: “أن نُجرّد من السلاح “طويلة على رقبتكم”، فنحن قومٌ سنبقى مقاومة، ولبنان لا يبقى دون مقاومة، ولبنان تحرّر بسبب المقاومة وقدّم أروع نموذج في تحرير من دون ثمن، وأخرج إسرائيل من دون اتفاق، وبسبب إسرائيل أصبحنا مقاومة وليس العكس”.
وسرعان ما استدعت العاصفة الرافضة لتهجّمات قاسم إسنادا أو “فتوى” من رئيس الهيئة الشرعية في “حزب الله” الشيخ محمد يزبك، والذي دخل على الخط ببيان أصدره عصر أمس، معلناً “أن حرصنا على كرامتنا وعزّتنا هو ثقافتنا وحياتنا، ولن نقبل الذل والاستسلام لأنهما ثقافة موت. وليعلم الجميع أن شروطنا هي انسحاب العدو وعودة الإعمار ولا تتحقق السيادة الوطنية إلا بذلك، وكل طرح لا يراعي ذلك فهو مرفوض”.
وسط هذه الاجواء، رسمت الزيارة التي قام بها الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان لبيروت واختتمها السبت، معطيات لافتة لجهة تعمّق الاهتمام السعودي بالواقع الداخلي في لبنان، الأمر الذي ترجم كثافة اللقاءات التي أجراها بن فرحان وتنوّعها مع القوى السياسية. ونقل نواب قابلوا بن فرحان عنه تأكيد حرص بلاده على استقرار لبنان وبسط سيادة الدولة على كلِّ أراضيها ودعم الجيش اللبناني. وأفيد أن النواب حاولوا استيضاح رأيه في أكثر من موقف متعلّق بالملفات اللبنانية الداخلية، فكان جوابه أن السعودية لا تتدخل في الشؤون اللبنانية الداخلية. وقال زواره إنه شدّد على الارتياح إلى الحكومة وأدائها ومواقف رئيس الجمهورية في إدارة المرحلة. كما أبدى اهتماماً كبيراً بموضوع حصر السلاح بيد الدولة، وضرورة التقدّم المطرد في هذا الملفّ الصعب والشائك. وتحدث عن أهمية دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة وحجر الأساس في بناء دولة كاملة السيادة، بما يعزّز الأمن والاستقرار ويكرّس ثقة المجتمعين العربي والدولي بلبنان.
في سياق آخر، برز مضمون لافت في الرسالة التي وجهها البابا لاوون الرابع عشر إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، لجهة الاشادة بدور وأداء الكنيسة في لبنان، ومما قال: “في هذه الأيام التي أمضيتها بينكم، شعرت عن قرب بآلام وتحديات شعب لبنان، وسمعت ايضاً أصواتاً فيها محبة ورجاء وعزاء. ويعود الفضل في ذلك إلى رعاية غبطتكم الأبوية، وإلى قرب الكنيسة عامة بأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وكل مؤسساتها، من المؤمنين الموكولين إلى رعايتكم معا، فترعونهم وتساندونهم لمواجهة الصعاب اليومية. في الحقيقة، استطعت أن أرى وألمس لمس اليد أن الكنيسة في لبنان حيّة، وأن المسيح حاضر في شعبه المؤمن”.
- صحيفة الأخبار عنونت: تزوير خطاب قاسم: يرضى القتيل ولا يرضى القاتل
وكتبت تقول: تزامن توقيت المقابلة الأخيرة لرئيس الجمهورية جوزيف عون، بمناسبة مرور سنة على انتخابه، مع الحديث عن ضربة أميركية محتملة لإيران، كان مجرّد صدفة. لا يوجد أي ارتباط عضوي بين الحدثيْن، لكن ما صرّح به عون يعكس بلا شك نقاشات محيطه وقناعاتهم الشخصية بأن «ساعة إيران قد دقّت». لذلك، فإن تصريحاته حول حصر السلاح بيد الدولة ودعوته حزب الله إلى التعقّل لم تكن عبارات معزولة أو من خارج السياق، بل تعبيراً فجاً عن المراهنات على الخارج لمساعدة العهد على التخلّص من المقاومة.
اقتنع رئيس الجمهورية، بأن الأميركيين اتّخذوا قراراً لا رجعة فيه لإسقاط النظام في إيران، وأن التنفيذ مسألة ساعات. وفق هذا التصوّر، سيصبح حزب الله أضعف ما يسهل استهدافه. فجاءت المقابلة كخطوة أولى على طريق التملّص من تفاهماته مع الحزب.
كلّ هذا، جعل كلام الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم يوم السبت، كردّ على رئيس الجمهورية، فجدّد التمسّك بسلاح المقاومة لحماية لبنان، وذكّر الدولة بمسؤولياتها، ومُعرِّياً الأجندات المشبوهة لعدد من الجهات السياسية. وبينما حمل خطابه الإشارة الثانية حول أن المقاومة ترى أن هناك حداً لاعتداءات العدو، خرج فريق داخلي ليضع كلام قاسم في سياق داخلي، ولم تمضِ دقائق على انتهاء الخطاب، حتى بدأت لعبة تحوير بما يخدم خطاب أميركا وإسرائيل، فاعتبره البعض تهديداً بحرب أهلية.
وهذا يعني أن الرجل الذي استهزأ به أعداؤه وخصومه في البداية باعتباره «لا يخوّف أحداً» وعاجزاً عن ملء فراغ الشهيد السيد حسن نصرالله، بدأ اليوم يُجبِر خصومه على استخدام الوسائل نفسها التي لجأوا إليها ضد الأمين العام الراحل: التزوير والتحريف والعبث بالحقائق، بعد أن نجح في فرض إيقاعه الخاص.
تجدر الإشارة إلى ما كتبه الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية اللواء تامير هايمان، قائلاً إن «الوقت يعمل لمصلحة حزب الله؛ إذ يجري تجديد التشكيلات المتضرّرة وتعيين قادة جدد، إلى جانب الاستفادة من خبرة القيادات التي نجت… حتى نعيم قاسم بدأ يكتسب ثقة أكبر، وأصبحت خطاباته أكثر طلاقة».
خطاب الشيخ قاسم كان واضحاً في الردّ على رئيس الجمهورية حين أشار إلى «الأعقل والعاقل»، وحين شدّد على أن اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان «هو مرحلة واحدة لا أجزاء لها ولا مرحلة ثانية»، وأن الدولة اللبنانية نفّذته بالكامل، بينما «الكيان الإسرائيلي لم ينفّذ منه شيئاً، ولا علاقة لهذا الكيان بالقرار 1701، فهو شأن لبناني بحت»، وأن «حصرية السلاح واستراتيجية الأمن الوطني مرتبطتان بالاتفاق بين القوى السياسية اللبنانية داخل البلاد»، مؤكّداً أن «ليس من العقل أن نعطي إسرائيل، وأن نقدّم تنازلات بلا ثمن»، وأن «العقل هو أن نعرف كيف نحفظ بلدنا، ونحفظ قوتنا، ونتصرّف بطريقة تؤدي إلى أن نكون معاً، وأن نتعاون».
وفي ما يخصّ إسرائيل، فإن تأكيد قاسم أن «العدوان على الحجر والبشر لا يمكن أن يستمر، والدفاع هو حق مشروع في أي وقت»، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، خصوصاً بالنسبة إلى العدو الإسرائيلي، إذ إنه حمل رسالة واضحة بأن حزب الله يدرس خيارات وقد يبادر إلى تحرّك إذا لزم الأمر.
لكنّ الداخل اللبناني، الذي يعادي المقاومة، قدّم ما يقدر عليه للخارج المعادي، فبادر خصوم المقاومة، إلى التلاعب بتصريحات قاسم، وإشارته إلى أن «أحداً لن يسلم إذا لم تسلم المقاومة، ولن يبقى حجر على حجر»، فشُوّه بتفسيره كتهديد للداخل وأن السلاح شمالَ الليطاني موجّه ضد اللبنانيين لتهديدهم بإشعال حرب أهلية. كما جرى اقتطاع أجزاء من الخطاب. فالشيخ قاسم كان واضحاً في أن التنازل من قبل لبنان لن يدفع إسرائيل إلا إلى مزيد من الطمع، لكن، كما جرت العادة، أعاد الخصوم صياغة كلامه بشكل مضلّل، زاعمين أن قاسم قال إن «حصر السلاح لا يمكن أن ينتهي من الآن لينتهي لبنان».
هؤلاء ليسوا غافلين، ولا يجهلون ما قاله الأمين العام لحزب الله. هم يدركون تماماً حقيقة مواقفه وما تنطوي عليه من دلالات خطيرة، لكنهم غير أحرار في استخدام عقولهم. هم مُسيّرون لا مُخيّرون، ومندفعون قسراً إلى خدمة السردية الإسرائيلية، كما هي حال يوسف رجّي، الذي دخل وزارة الخارجية بتكليف واضح العناوين: إيران، حزب الله، السلاح، والشيعة، مُنفِّذاً توجيهات قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، لا رئيس حكومته ولا رئيس الجمهورية.
وفي إطار المظلومية الكاذبة التي يُتقِنها هذا الفريق، سارع زملاء رجّي المعرابيون إلى تحويل كلام الشيخ قاسم عنه إلى مادة دعائية، لتصوير أنفسهم كضحايا مُهدّدين جسدياً ومعنوياً. في حين أن موقف قاسم الداعي إلى إسكات رجّي أو تغييره لم يكن إلّا رداً على تبرير هذا الأخير للاعتداءات اليومية للعدو الصهيوني على لبنان، وعلى قتل المواطنين اللبنانيين، وعلى الخطاب الذي يشرعن القتل واستمرار الاحتلال بحجّة منع حزب الله من إعادة ترميم نفسه. والأكيد أن المقصود لم يعد مجرّد إثارة الأحقاد أو تسجيل المواقف، بل تجاوز الأمر ذلك إلى مآل أخطر: مآل العجز والارتهان، حيث تُبنى السياسة على قاعدة مقلوبة تختصر المشهد اللبناني الراهن: يرضى القتيل… ولا يرضى القاتل.
هل انتهى دور «الميكانيزم»؟
أظهرت اتصالات اليومين الماضيين، خصوصاً تلك التي تلت اجتماعات الموفدين العرب والدوليين مع المسؤولين في لبنان، بروز مؤشّرات إلى نية واشنطن وتل أبيب بدء العمل على إنهاء عمل لجنة «الميكانيزم» بشكلها الحالي.
وتردّد وصول رسائل إلى أركان الدولة، تتضمّن طلباً أميركياً – إسرائيلياً برفع مستوى المحادثات بين الجانبين، وأن واشنطن تقترح على لبنان الموافقة على تشكيل لجنة سياسية – عسكرية مع إسرائيل، وتعقد اجتماعاتها خارج المنطقة برعاية أميركية فقط، وتتولّى إدارة ملف التفاوض من أجل إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، بما يفتح الباب أمام تعديل اتفاقية الهدنة، مع تشديد إسرائيل على أن إنهاء حالة العداء، يوجب حتماً قراراً بالتخلّص من كل أشكال العمل المسلّح المقاوم، فيكون طلب نزع سلاح المقاومة جزءاً من الاتفاق الأمني الجديد.
- صحيفة الديار عنونت: ترامب يتراجع خطوة إلى الخلف… ودول الخليج والإقليم انفرجوا
احتدام الكباش بين حزب الله و«القوات»
تعثر «الميكانيزم» لا ينعكس على الأرض جنوبا
وكتبت تقول: تشابكت التطورات الإقليمية والدولية في الساعات الماضية على إيقاع تحولات متسارعة، من احتدام التوتر الأميركي–الأوروبي على خلفيات سياسية واقتصادية مرتبطة بجزيرة غرينلاند الدنماركية، إلى الانعطافة الحاسمة في المشهد السوري شرق نهر الفرات. ففي وقت كانت فيه المواجهات تتصاعد بين الجيش السوري و«قوات سوريا الديموقراطية»، أُعلن مساء أمس عن اتفاق شامل لوقف إطلاق النار ودمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية، وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي، واضعًا حدا لواحدة من أكثر الجبهات تعقيدًا منذ سنوات. الاتفاق، الذي جاء بعد معارك عنيفة وضغوط ميدانية وسياسية متداخلة، يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها بسط السيادة، توحيد القرار الأمني، وفتح الباب أمام ترتيبات استقرار طويلة الأمد في شمال شرقي سوريا، وسط متابعة إقليمية ودولية دقيقة لمسار التنفيذ وارتداداته.
وتصدرت هذه العناوين على العنوان الأساس الذي ظل طوال الاسبوع الماضي شاغل الناس نظرا لانعكاساتها المباشرة على أحوال المنطقة ككل، ألا وهو الضربة الأميركية المرتقبة على طهران. وقالت مصادر واسعة الاطلاع لـ«الديار» إن «هذه الضربة باتت راهنا بحكم المؤجلة من دون أن يعني ذلك أنها قد لا تحصل في الأسابيع القليلة المقبلة متى توافرت الظروف المناسبة لها»، لافتة الى أن «خشية اسرائيل من استعداد ايران الجيد للرد كما الضغوط الكبيرة التي مارستها دول الخليج جعلت ترامب يعيد حساباته».
وأضافت المصادر: «هذا التراجع الأميركي لا شك سُجل هدفا لايران في المرمى الاميركي-الاسرائيلي وأعطى جرعة دعم معنوي لحلفاء طهران في المنطقة وعلى رأسهم حزب الله وهذا ما بدا جليا في الكلام عالي السقف لأمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم السبت».
لماذا تراجع ترامب؟
ويوم أمس أورد موقع «اكسيوس» الاميركي تفاصيل الرواية لما حصل منتصف الأسبوع الماضي لافتا الى أنه «صباح الأربعاء، اعتقد عشرات من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين والديبلوماسيين في واشنطن وعموم الشرق الأوسط أن القنابل الأميركية ستسقط على طهران في غضون ساعات. وبحلول عصر ذلك اليوم، اتضح جليا أن الأمر لن يصدر، وفقاً لما ذكره مسؤولان أميركيان. فقد تراجعت الولايات المتحدة». وذكر «اكسيوس» بأنه خلال الأسبوع الماضي، كان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يميل في أوقات متفرقة إلى توجيه ضربات للنظام الإيراني ردًا على ما يجري في الداخل الإيراني. وأفاد أكسيوس» نقلا عن مسؤولين، بأن قرار ترمب عدم ضرب إيران جاء «لعدم كفاية المعدات العسكرية في المنطقة وتحذيرات الحلفاء».
ونقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن «مدى فعالية ضرب إيران والمحادثات السرية مع طهران من أسباب عدم توجيه الضربة».
بدوره، افاد مستشار لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بأن رئيس الوزراء أبلغ ترامب الأربعاء أن إسرائيل غير مستعدة للدفاع ضد رد إيراني محتمل.
كما نقل «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين، أن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي أرسل رسالة نصية لللمبعوث الاميركي ستيف ويتكوف الأربعاء يتعهد فيها بتأجيل عمليات إعدام مقررة، ولفت الى ان «الرسائل التي تلقاها ترامب من طهران كان لها تأثير لكنها لم تؤد وحدها إلى وقف الضربة».
تعثر «الميكانيزم»
وتعتبر طهران وحلفاؤها أنها نجحت الى حد بعيد في إبعاد كأس الضربة عنها، وهو ما ينعكس سلبا على أخصامهم في المنطقة الذين ما زالوا على قناعة أن الضربة آتية لا محال عاجلا أم آجلا.
وقال مصدر رسمي لبناني لـ «الديار» أن «كلام الشيخ قاسم عالي السقف هو نتيجة مباشرة لارتياح الحزب لما آلت اليه الأمور في طهران، لكنه لا شك لا يوحي باحتمال التوصل إلى تفاهم سياسي واسع بخصوص مصير السلاح شمالي الليطاني، وهو ما يفترض أن يحصل قبل موعد جلسة مجلس الوزراء مطلع شباط المقبل والتي سيعرض خلالها قائد الجيش خطته لاستكمال عملية حصر السلاح شمالي النهر».
وبالرغم من الاجتماع الذي عقده رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون مع السفير سيمون كرم استعدادا لاجتماع لجنة «الميكانيزم» المقبل، فإن المصدر أكد أنه «لم يتحدد بعد أي موعد لهذا الاجتماع الذي يفترض أن يشارك فيه الأعضاء المدنيون»، متحدثا عن عوائق كثيرة تحول دون ذلك أبرزها الكباش الاميركي الفرنسي. وأضاف: «لكن تعثر «الميكانيزم» سياسيا لا ينعكس على الأرض جنوبا بحيث يستمر التواصل والتنسيق الحثيث بين الجيش اللبناني والميكانيزم كما كان دائما من دون أي مشاكل تذكر «لافتا الى أن الكباش الاميركي – الفرنسي ينعكس فقط من خلال تعامل اسرائيل مع الطرف الفرنسي في اليونيفل جنوب لبنان حيث تُسجّل مشاكل على أكثر من مستوى».
التطورات الميدانية
ميدانيا، سُجل ليل السبت قيام الجيش الإسرائيلي بعمليات تفجير استهدفت منزلين في بلدة العديسة، إضافة إلى تفجير منزل ثالث في بلدة كفركلا. وتردّدت معلومات عن توغل قوة إسرائيلية إلى ساحة العين في العديسة وتفجيرها منزلا وورشة حدادة كان صاحبهما يتردد إليهما يوميًّا.
هذا وأعلنت رئيسة مكتب الإعلام العربي في الجيش الإسرائيلي المعروفة باسم «كابتن إيلا»، أنّ «قوّات الوحدة متعدّدة الأبعاد، تحت قيادة الفرقة 91، عملت خلال الشّهرين الأخيرَين لمنع تمركز « حزب الله « في منطقة جنوب لبنان»، زاعمةً أنّ «خلال نشاطها، انشغلت الوحدة في جمع المعلومات الاستخباراتيّة، رصد بنى تحتيّة معادية، توجيه النّيران، تقديم المساعدة للقوّات البرّيّة والجوّيّة في تدمير بنى تحتيّة وتحييد عناصر تابعين لحزب الله».
السجال السياسي
في هذا الوقت، احتدم السجال السياسي في الداخل اللبناني، وبخاصة بين حزب الله و«القوات»، مع دعوة الشيخ قاسم الحكومة الى تغيير وزير الخارجية او اسكاته او الزامه بالموقف اللبناني.
وأكد المصدر الرسمي اللبناني أن «الحكومة ستطلب من رجي مراعاة الوضع الحالي في المواقف التي يطلقها خشية تدهور الوضع داخليا، دون التوجه الى اسكاته او تغييره.
وفي هذا السياق، قال عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله، إننا «ومن موقع قوتنا وحضورنا وحرصنا على بلدنا نريد له أن يبقى موحدًا، ونرفض أي محاولة لإثارة الفتن فيه، أو تقسيمه أو فدرلته، والبعض في لبنان واهم في مراهنته على أنَّ زيادة الضغط الإسرائيلي علينا يؤدِّي إلى إضعافنا في الدَّاخل، ومثل هذه المراهنة فيها لعب بمصير لبنان، لأنَّ المسَّ بالتوازنات الداخلية هو الذي خرَّب لبنان». وأضاف: «نحن نتعرض في لبنان لعدوان مستمر يأخذ أشكالًا مختلفة بعضها أمني وبعضها عسكري وبعضها اقتصادي وبعضها مالي وبعضها سياسي وبعضها إعلامي، وكل هذا الاستهداف من أجل دفعنا إلى الاستسلام، لأنَّ ما يريده العدو من بلدنا ومن مقاومتنا هو الاستسلام ورفع الراية البيضاء، والقصة ليست قصة قرارات بحصرية سلاح ولا قرارات في جنوب الليطاني ولا في شمال الليطاني، الهدف النهائي لكل هذه الاعتداءات والتحركات والضغوط هي دفع بلدنا إلى الخضوع والاستسلام الكامل لهذا العدو الإسرائيلي».
بالمقابل، اعتبر وزير الصناعة جو عيسى الخوري أنّ «تمسّك حزب الله بسلاحه ورفضه تسليمه للدولة يعطّل مسار بناء الدولة وأنّ استمرار السلاح خارج إطار الدولة يقود لبنان عمليًا إلى نظام كونفدرالي لا إلى دولة مركزية ولا حتى فيدرالية ووجود جيشين وعلاقات خارجية مستقلة»، لافتًا الى أنّ «التمويل الخاص لأي طرف يعني تفكك الدولة، وهذا المسار هو ما يجب تجنّبه، لأن الهدف هو قيام دولة واحدة بجيش واحد وسلطة واحدة».



