رأي

حرب الوجود: هل تقلب طهران وبيروت طاولة المصالح الكبرى؟(أكرم بزي)

 

بقلم أكرم بزي – الحوارنيوز

 

​إن التداخل العميق بين الأيديولوجيا والجغرافيا السياسية يضع المنطقة اليوم أمام منعطف تاريخي غير مسبوق، حيث يبرز التأثير العقائدي لكل من المرشد الأعلى السيد الخامنئي وحركة الإخوان المسلمين كمحرك أساسي ووقود حيوي لشباب حزب الله وحماس والجماعة الإسلامية في معركتهم المفتوحة ضد إسرائيل.

وفي القراءات الاستراتيجية الغربية، يرى تيار سياسي وازن أن تأمين وجود الكيان الإسرائيلي واستقراره على المدى الطويل، بات يتطلب بالضرورة تفكيك هذه العقيدة الجهادية من جذورها، وهو ما يحول فكرة إزاحة السيد الخامنئي من المشهد وتصنيف كافة الجماعات المرتبطة بالإخوان في دول الطوق كمنظمات إرهابية، من مجرد خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية ملحة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

​وفي ظل المفاوضات المعقدة والسرية التي تجري بين إدارة ترامب وأيران، يبدو واضحاً أن واشنطن تسعى جاهدة لفرض واقع سياسي وأمني جديد، يضع القيادة الإيرانية بين خيارين أحلاهما مر: إما التنحي الطوعي وإعادة هيكلة النظام، أو المواجهة المباشرة التي قد تصل في ذروتها إلى حد الاغتيال السياسي للرؤوس الكبيرة.

إن هذه التهديدات التي يسوقها الأعداء اليوم ضد الجمهورية الإسلامية تضع الإقليم بأسره على فوهة بركان هائج، وقد تفتح أبواب الجحيم التي طالما سعت طهران لتجنبها عبر سياسة الصبر الاستراتيجي الطويل. فإذا كان الهدف من ذلك الصبر في العقود الماضية هو حماية كيان الدولة ومنجزات الثورة، فإن لجوء الغرب الاستعماري إلى العبث بالداخل الإيراني وجعل العدوان المباشر قدراً حتمياً سيفضي منطقياً إلى تحول جذري وشامل في قواعد الاشتباك، إذ ستتحرر إيران حينها كل ما كانت تمتنع عن استخدامه من أوراق قوة ونفوذ ضاربة، سواء في عمق الإقليم أو على مستوى الساحة الدولية.

​إن معركة الدفاع عن إيران في هذا السياق لم تعد شأناً داخلياً محضاً يخص الجغرافيا الإيرانية وحسب، بل أصبحت حقاً وواجباً مقدساً يقع على عاتق كل أحرار العالم والقوى الاستقلالية التي ترفض الخضوع لإمبراطورية الشر الأمريكية. فكل من استظل يوماً بظل هذه الثورة، وكل من استفاد استراتيجياً من وجود هذه الواحة المقاومة في وسط صحراء التبعية العربية والإقليمية، سيجد نفسه مضطراً للمساهمة في حمايتها بكافة الوسائل المتاحة. فسقوط طهران، في عرف هؤلاء، لا يعني سقوط نظام سياسي بل يعني انهيار آخر قلاع الاستقلال الاستراتيجي والكرامة السياسية في المنطقة أمام التغول الإبادي الغربي. هذا المنظور سيؤدي حتماً إلى اشتعال جبهات دول الطوق دفعة واحدة، خاصة وأن واشنطن وتل أبيب تراهنان على أن ضرب شركاء إيران في لبنان واليمن وغزة هو الممر الإلزامي والوحيد لتجفيف منابع العقيدة الجهادية التي تقض مضاجعهم.

​أما على مستوى القوى الكبرى، فإن البرغماتية الصينية والروسية تظل هي الحاكم الفعلي للمواقف، فهما ينظران إلى إيران كحليف جيوسياسي صلب ضد الهيمنة الأميركية الكونية، وليس كشريك في مشروع عقائدي ديني. لذا، فإن المعادلة الدولية في هذه المرحلة من الحرب العالمية المصغرة قد تشهد مقايضات كبرى، حيث قد تقدم واشنطن تنازلات حقيقية في ملفات شائكة كأوكرانيا أو تايوان أو طرق التجارة الدولية ومضايق الملاحة، مقابل غض الطرف عن إجراءات تأمين وجود إسرائيل. هذا الواقع يضع القوى والدول الموجودة في المستويات الأدنى ضمن الهرمية الصراعية أمام خطر حقيقي يتمثل في إمكانية التضحية بها أو التخلي عنها وفقاً لمنطق المصالح العليا للقوى العظمى.

​وفي قلب هذا الإعصار، تبرز الساحة اللبنانية كبرميل بارود جاهز للانفجار الكبير، إذ إن جمهور وأنصار الثنائي الوطني، الذين باتوا يضيقون ذرعاً بحملات التضييق الاقتصادي والسياسي التي يمارسها اليمين الانعزالي المتماهي مع أجندة العدو، لن يقفوا مكتوفي الأيدي. إن أي محاولة أمريكية لتصنيف الجماعة الإسلامية كمنظمة إرهابية لن تنجح في عزلها، بل ستؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً تتمثل في تعميق التحالف الميداني والعضوي بين المقاومة الإسلامية وحركة الجماعة، صاهراً إياهما في بوتقة واحدة عابرة للمذاهب ترتكز على وحدة العقيدة والهدف والمصير. هذا التلاحم يمنح الفعل المقاوم في لبنان شرعية شعبية ووطنية واسعة تجعل من استهداف أي مكون فيه بمثابة إعلان حرب شاملة على الكتلة الشعبية الأكبر والأكثر تنظيماً في البلاد.

​بناءً عليه، سيكون رد فعل حزب الله وحلفائه في الداخل اللبناني هو الصاعق الذي قد يفجر المنطقة بأسرها دفاعاً وحفاظاً على وجود المقاومة. إننا أمام مرحلة لا تقبل الحلول الوسط، حيث تصبح الساحة اللبنانية المختبر الحقيقي لفشل أو نجاح مشروع إعادة هيكلة الشرق الأوسط وتصفية “خطر” عقيدة الجهاد. إن محاولة اقتلاع هذا الفكر عبر القوة العسكرية والاغتيالات قد لا تزيد المنطقة إلا اشتعالاً، لتتحول طاولة المصالح الكبرى التي يجلس إليها الكبار إلى ركام تحت أقدام الشعوب التي قررت أن خيار المقاومة هو قدرها الوحيد في وجه الإبادة والتبعية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى