فكر كمال جنبلاط مرجعية لا تقبل الخلط أو الاستبدال (وائل أبو الحسن)

وائل فايز ابو الحسن – المكسيك – الحوارنيوز
لم يكن كمال جنبلاط يومًا حالة رمادية في الفكر أو السياسة، ولم يكن موقفه من العروبة موضع التباس لمن يقرأه بعمق بعيدًا عن الشعارات. فقد شكّل جنبلاط نموذجًا فكريًا نادرًا في العالم العربي، إذ رفض القومية العربية الوحدوية كما طُبّقت، لا من موقع العداء للعروبة، بل من موقع الدفاع عنها كقيمة تحررية وإنسانية، لا كمشروع سلطوي شمولي.
كمال جنبلاط لم يكن قوميًّا عربيًا بالمعنى الأيديولوجي الذي ساد في منتصف القرن العشرين، ولم ينخرط في مشاريع الوحدة القسرية التي اختزلت الأمة في الدولة، والدولة في الحزب، والحزب في الزعيم. كان عروبيًا، نعم، لكن عروبة مختلفة جذريًا، عروبة أخلاقية، ديمقراطية، إنسانية، تقوم على حرية الشعوب، واحترام التعدد، والعدالة الاجتماعية، لا على فرض الوحدة بالقوة أو إخضاع المجتمعات باسم المصير المشترك.
من هذا المنطلق جاء موقفه الحاسم حين قال للرئيس حافظ الأسد: “أرفض إدخال لبنان في السجن العربي الكبير”. هذه العبارة، التي أسيء فهمها عمدًا أو جهلًا، لم تكن رفضًا للعروبة، بل إدانة صريحة لتحويلها إلى سجن سياسي وأمني، تُقمع فيه الحريات، وتُلغى الخصوصيات، ويُختزل فيه التنوع العربي الغني في نموذج سلطوي واحد. كان جنبلاط يرى أن العروبة التي تُفرغ الإنسان من حريته ليست عروبة، وأن الوحدة التي تقوم على القمع ليست إلا شكلًا آخر من أشكال الاستبداد.
العروبة في فكر كمال جنبلاط ليست مسألة لغة وجغرافيا فحسب، بل إطار حضاري وقيمي، يتجاوز الانتماء القومي الضيق نحو تضامن إنساني تحرري. هي عروبة لا تعادي التعدد الديني أو الثقافي، ولا تخاف من الديمقراطية، ولا ترى في الدولة الأمنية حارسًا للهوية. ولذلك رفض أن تكون العروبة حلفًا سياسيًا أو مشروعًا وحدويًا قسريًا، ودعا إلى عروبة الشعوب لا عروبة الأنظمة، وعروبة الحرية لا عروبة الأجهزة.
وفي السياق اللبناني تحديدًا، كان جنبلاط شديد الإدراك لخصوصية لبنان وهشاشته الطائفية. كان يرى أن إدخال لبنان في أي مشروع وحدوي غير ديمقراطي هو وصفة مؤكدة للانفجار الداخلي، وفقدان لدوره كمساحة حرية وفكر وتفاعل حضاري في العالم العربي. لم يكن موقفه انعزاليًا ولا قطريًا، بل واقعيًا تحرريًا، ينطلق من حماية الإنسان والمجتمع قبل أي شعار كبير.
وعند الانتقال إلى المقارنة بين كمال جنبلاط وشكيب أرسلان، يتضح الفارق الجذري الذي لا يجوز القفز فوقه أو تمييعه. فشكيب أرسلان، بغض النظر عن مذهبه الذي اعتنقه ومارسه وهو الإسلام السني، كان عثماني الهوى والانتماء، ورأى في السلطنة العثمانية إطارًا جامعًا، وانطلق من تصور إسلامي سياسي تقليدي، يغلّب فكرة الخلافة والسلطة المركزية على مفاهيم الحداثة والديمقراطية والتعدد. فكره كان ابن زمنه وسياقه التاريخي، لكنه لم يكن فكرًا تحرريًا حديثًا، ولم يقم على مركزية الإنسان وحقوقه.
في المقابل، كان كمال جنبلاط مفكرًا حداثيًا، اشتراكيًا، إنسانيًا، ديمقراطيًا، متأثرًا بالفلسفة الهندية وبحركات التحرر العالمية، منحازًا إلى الإنسان قبل العقيدة، وإلى الحرية قبل السلطة، وإلى العدالة قبل الهوية المغلقة. لا شيء يجمع بين فكره ونهج شكيب أرسلان، لا في الرؤية للعروبة، ولا في مفهوم الدولة، ولا في فهم الحرية، ولا في مقاربة التاريخ. والخلط بين الفكرين لا يشكّل فقط خطأً معرفيًا، بل إساءة مباشرة إلى جوهر المدرسة الجنبلاطية ومشروعها التحرري.
انطلاقًا من كل ما سبق، يصبح من الضروري التأكيد بوضوح لا لبس فيه أن على مفوضية الإعداد والتوجيه، كما على مفوضية الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي وموقع الأنباء، مسؤولية فكرية وأخلاقية واضحة في العمل على نشر فكر المعلم كمال جنبلاط، وكتبه ومؤلفاته، ورؤيته للعروبة والإنسان والدولة، لا العمل على الترويج لفكر شكيب أرسلان الإسلامي والعثماني الهوى والانتماء، والذي لا يربطنا به كتقدميين أي شيء.
وبغض النظر عن المذهب الذي اعتنقه شكيب أرسلان، فإن فكره لا يلتقي مع فكر كمال جنبلاط لا عقلًا ولا نهجًا ولا مشروعًا. ومن موقعنا كتقدميين، فإن مسؤوليتنا ليست في الخلط أو التوفيق القسري بين مدارس متناقضة، بل في نشر فكر المعلم كمال جنبلاط كما هو، فكر حر، إنساني، ديمقراطي، تحرري. فالعروبة التي نؤمن بها هي عروبته، عروبة الحرية لا السجن، وعروبة الإنسان لا السلطان.
* محام مغترب – مقيم في المكسيك



