
بقلم د. عماد عكوش – الحوارنيوز
هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الاثنين 12 كانون الثاني ، أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران أنها ستواجه رسوما جمركية أميركية بنسبة 25%. وقال ترامب: “اعتباراً من الآن أي دولة تتعامل تجارياً مع جمهورية إيران الإسلامية ستدفع رسوماً جمركية 25% على جميع المعاملات مع أميركا.
الكلام المنسوب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن صحّ بصيغته أو اقترب منها يحمل تهديداً استراتيجياً بالغ الخطورة، وليس مجرد تصريح دعائي. فهو يتجاوز إيران نفسها ليطال بنية التجارة العالمية والعلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها.
هي عقوبات ثانوية مُعمَّمة. فالتهديد لا يقول سنعاقب إيران ،بل يقول سنعاقب أي دولة تتعامل مع إيران ،أي أن الولايات المتحدة تحاول فرض سيادتها على قرارات دول أخرى واستخدام السوق الأميركية كسلاح ابتزاز اقتصادي، وهذا تصعيد مقارنة بالعقوبات التقليدية، لأنه لا يستهدف شركة أو قطاعاً بل اقتصاد دولة كاملة إن تعاملت مع إيران.
ان فرض رسم 25% على جميع صادرات دولة ما إلى أميركا ،يعني فقدان القدرة التنافسية لهذه الدولة ، تراجع الصادرات ، ضغط على العملة ، وخسارة وظائف ، وبالتالي فان كثيرا من الدول الصغيرة والمتوسطة لن تتحمّل هذا الثمن . طبعا الدول الكبرى فقط يمكنها التفكير بالمواجهة اذا ارادت ولكن لا يبدو ان هذه الدول وعلى رأسها الصين في وارد هذه المواجهة ، نعم هو استهداف غير مباشر للصين، الهند، روسيا، تركيا ، فإيران نفسها ليست الهدف الوحيد بهذه العقوبات .
اذا الرسالة الحقيقية موجهة إلى الصين أكبر مستورد نفط إيراني ، الهند ، روسيا ، تركيا ، ودول في آسيا الوسطى وأفريقيا ،وبالتالي هو وجه لهم رسالة واضحة عليكم ان تختاروا بين السوق الاميركية أو ايران .
ماذا عن النتائج المتوقعة لهذه العقوبات ؟
هناك عدة سيناريوهات لما يمكن ان يحصل نتيجة هذه العقوبات :
السيناريو الاول هو تراجع الدول الصغيرة حيث ان دول ضعيفة اقتصادياً تنسحب من التجارة مع إيران فتقل قنوات التبادل مما يخلق ضغطا إضافيا على العملة الإيرانية ، والتضخم ، لكن هذا السيناريو له سقف لأن إيران خبرت هذا النوع من الضغط سابقاً.
السيناريو الثاني هو تشكّل كتلة مقاومة للعقوبات حيث ان الدول الكبرى قد ترد بتجاهل التهديد ، إيجاد آليات بديلة ، تجارة بالعملات المحلية ، مقايضة ، أنظمة دفع خارج الدولار ( CIPS ، SPFS… ) او استخدام بنوك غير مرتبطة بأميركا. وهنا الخطر الحقيقي لان هذا الامر قد يؤدي الى تفكيك تدريجي لهيمنة الدولار والنظام التجاري الأميركي.
اما السيناريو الثالث فحرب تجارية متعددة الأطراف إذا ما طُبّق التهديد فعلاً ،حيث يمكن ان يؤدي الى ردود انتقامية محتملة ، نزاعات في منظمة التجارة العالمية ، وتسارع الانقسام إلى معسكرات ، معسكر خاضع للنظام الأميركي ومعسكر تجاري بديل وهذا قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي ، ارتفاع أسعار الطاقة ، اضطراب سلاسل الإمداد.
السيناريو الرابع هو ضغط سياسي داخلي على إدارة ترامب من قبل المتضررين ومنها الشركات الأميركية ، المزارعون ، شركات التكنولوجيا ، مستوردو المواد الخام ، ما قد يؤدي إلى تطبيق انتقائي وليس شامل ، أو استخدام التهديد كورقة تفاوض فقط.
يبقى السؤال هل هذا التهديد واقعي وقابل للتنفيذ ؟
عملياً تطبيق هذا التهديد صعب جداً، لأن تطبيقه يعني فوضى تجارية ، سيضرب الحلفاء قبل الخصوم ، وقد يدفع دولاً محايدة إلى التمرد . غالباً هو تهديد ردعي أكثر منه سياسة جاهزة للتطبيق الكامل، لكن هذا التصريح إن تم تبنيه رسمياً فهذا يعني انتقال واشنطن من عقوبات ذكية إلى قوة قسرية عمياء ، تسريع الصدام مع النظام التجاري العالمي ، دفع العالم نحو تعددية اقتصادية قسرية ، وزيادة الضغوط على إيران لكن بثمن عالمي مرتفع . باختصار غاية أميركا بذلك تقول: “إما ان تكون معنا.. أو ضدنا” .


