رأي

هل يمكن حماية السيادة دون منظومة إقليمية متكاملة للأمن والحقوق والاقتصاد؟* (كولشان صغلام)

 

بقلم د.كولشان صغلام – الحوارنيوز

 

إن استمرار غياب منظومة عربية–إسلامية متكاملة لا يمكن التعامل معه بوصفه خللًا مؤسسيًا عابرًا أو نتيجة تقصير سياسي ظرفي، بل ينبغي فهمه باعتباره عاملًا بنيويًا يعيد إنتاج هشاشة المنطقة ويجعلها ساحة مفتوحة لإعادة التشكل وفق مصالح قوى أكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الفراغ.

 فالتجربة التاريخية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تُظهر بوضوح أن النظام الدولي، رغم ما يرفعه من خطاب قانوني قائم على مبادئ السيادة وحقوق الإنسان والأمن الجماعي، لم يعمل يومًا كإطار محايد، بل كمنظومة تعكس موازين القوة داخلها، حيث تُطبَّق القواعد بانتقائية، وتُعطَّل عندما تمس مصالح الفاعلين الأقوى. وفي هذا السياق، فإن ترك أمن المنطقة العربية والإسلامية، وحقوق شعوبها، واقتصادها، وثرواتها، مرتهنة لهذا النظام وحده، في ظل اختلاله البنيوي، يمثل مخاطرة استراتيجية لا تقل خطورة عن أي تهديد عسكري مباشر.

لقد أتاح هذا الفراغ الإقليمي أن تتحول إسرائيل من كيان يعتمد على الدعم الخارجي لضمان بقائه، إلى فاعل إقليمي يعيد تشكيل معادلات الأمن والطاقة والاقتصاد في محيطه، لا بفعل تفوق ذاتي معزول، بل نتيجة مباشرة لتفكك الجوار وغياب إطار جماعي قادر على تحويل الثقل الديمغرافي والجغرافي والاقتصادي العربي–الإسلامي إلى قوة منظمة. ويتجلى ذلك بوضوح في الاتفاقات الأخيرة التي جمعت إسرائيل بكل من اليونان وقبرص الجنوبية، والتي تستهدف إعادة ترتيب ملفات الغاز والطاقة وترسيم النفوذ البحري في شرق المتوسط. فهذه الترتيبات، وإن قُدِّمت في ظاهرها كاتفاقات سيادية مشروعة، فإنها عمليًا تُدار في فراغ إقليمي عربي، وتؤدي إلى إقصاء دول المنطقة عن ثروات تمر عبر مجالها الجغرافي، وإعادة هندسة المجال البحري والاقتصادي بمعزل عن الوزن الحقيقي لأصحاب الأرض، بما يحول الموارد الطبيعية من عامل سيادة إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية.

وعلى صعيد حقوق الإنسان، تكشف التجربة العربية بوضوح أن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص أو المرجعيات القانونية، بل في غياب المنظومة القادرة على إنفاذها. فرغم اعتماد الميثاق العربي لحقوق الإنسان، ورغم إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان، بقي هذا المسار معزولًا عن حياة الأفراد والجماعات، بسبب غياب آليات الإلزام، وعدم تمكين الأفراد من الولوج القضائي المباشر، وافتقار المحكمة إلى ولاية فعلية قادرة على إنتاج أحكام ملزمة أو فرض كلفة سياسية وقانونية على الدول المنتهِكة. وبهذا، تحولت حقوق الإنسان في الإطار العربي إلى خطاب أخلاقي موازٍ، غير قادر على منع التهجير، أو وقف الانتهاكات الجسيمة، أو حتى خلق وعي عام بوجود منظومة إقليمية يمكن الركون إليها، وهو ما جعل الإنسان العربي أو في المنطقة عموماً مكشوفًا قانونيًا، بلا مظلة جماعية تحميه.

وقد تجلى هذا الانكشاف بأوضح صوره فيما جرى في غزة، حيث وقعت جرائم القتل الجماعي، والتهجير القسري، والتدمير الواسع للبنية التحتية المدنية، في خرق صريح لقواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وعلى مرأى من المجتمع الدولي. ورغم وفرة التقارير والتوثيق، بقيت منظمات حقوق الإنسان الدولية عاجزة عن تحويل هذه الانتهاكات إلى مسار مساءلة فعلي، وبقي النظام الحقوقي العالمي أسير الانتقائية السياسية. إن هذا العجز لا يمكن فصله عن غياب منظومة حقوقية إقليمية عربية–إسلامية قادرة على التحرك الجماعي، وتدويل القضايا بصفة مؤسسية، وفرض الكلفة القانونية والسياسية، بدل الاكتفاء بموقع المتلقي أو المراقب.

وعند مقارنة هذا الواقع بتجارب إقليمية أخرى، يتضح أن المسألة ليست مستحيلة أو طوباوية. فالمنظومة الإفريقية، رغم محدودية إمكاناتها وتعقيد بيئاتها السياسية، نجحت في بناء إطار مؤسسي يتعامل مع قضايا الانقلابات، والنزاعات الداخلية، والانتهاكات الجسيمة، من خلال الاتحاد الإفريقي ومحكمته وآلياته السياسية، بما يعكس وعيًا متقدمًا بأن السيادة لا تُحمى بالحدود وحدها، بل بالمؤسسات الجماعية القادرة على التدخل المنظم. أما الاتحاد الأوروبي، فرغم اختلاف السياق التاريخي، فقد انطلق من إدراك مشابه مفاده أن ترك الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان دون إطار إقليمي جامع يفتح الباب أمام الهيمنة الخارجية، ويحوّل الخلافات الداخلية إلى نقاط ضعف بنيوية.

ولا يقتصر هذا الخلل على المنطقة العربية والإسلامية، بل يظهر أيضًا في حالات أخرى تكشف هشاشة مبدأ السيادة في النظام الدولي المعاصر، كما حدث في فنزويلا، حيث جرى توظيف الاعتراف الانتقائي والعقوبات الاقتصادية والتدخل غير المباشر لتقويض القرار السيادي ومحاولة فرض قيادة بديلة. ومن منظور القانون الدولي العام، تمثل هذه الممارسات خرقًا واضحًا لمبدأ عدم التدخل وللمساواة السيادية بين الدول، وتؤكد أن الدولة التي تفتقر إلى عمق إقليمي منظم تصبح عرضة للاستباحة مهما امتلكت من شرعية داخلية أو موارد طبيعية.

وفي المجال الأمني، لم يكن غياب منظومة دفاعية إقليمية فعالة مجرد نتيجة للخلافات السياسية، بل عاملًا أساسيًا في استمرار اختلال ميزان القوة. فالتعاون الثنائي يظل هشًا، والتحالفات الخارجية لا تضمن أن تكون مصالح المنطقة أولوية، خصوصًا عندما تتعارض مع مصالح القوى المهيمنة أو مع الدعم غير المشروط المقدم لإسرائيل. ومن هنا، فإن بناء إطار أمني إقليمي اصبح ضرورة ولا يعني عسكرة المنطقة أو الدفع نحو المواجهة، بل تأسيس قدرة ردعية جماعية تمنع التعديات، وتفرض كلفة سياسية وأمنية على أي عدوان أو عبث باستقرار الدول.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن استمرار التعامل مع الاقتصاد بوصفه ملفًا تقنيًا منفصلًا عن الأمن والحقوق هو ما سمح بإقصاء دول المنطقة عن مشاريع الطاقة والممرات البحرية وإعادة توزيع النفوذ. فغياب سوق إقليمية، وأدوات تفاوض جماعية، وأطر قانونية مشتركة، جعل الثروات تمر عبر الجغرافيا العربية والإسلامية دون أن تتحول إلى مصدر سيادة أو نفوذ، بل إلى عامل استغلال وإقصاء.

ومن منظور القانون الدولي، لا يوجد ما يمنع قيام منظومة إقليمية عربية–إسلامية مستقلة ومتكاملة، بل إن هذا الحق يُعد امتدادًا طبيعيًا لمبدأ السيادة وحرية الدول في التنظيم الجماعي. غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في بقاء الأطر القائمة، كجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، في مستوى النصوص والخطابات، دون الانتقال إلى مستوى المنظومات العاملة ذات الصلاحيات التنفيذية والآليات الملزمة، وفد تكون أنقرة والرياض والقاهرة الدول القادرة على هكذا مبادرة.

في المحصلة، لا يكمن جوهر التحدي في قوة إسرائيل وحدها، ولا في انحياز النظام الدولي فحسب، بل في غياب الذات الإقليمية المنظومة القادرة على تحويل التعدد إلى قوة، والموارد إلى نفوذ، والحقوق إلى عنصر من عناصر الردع. فحين تتحول الدول المتفرقة إلى منظومة متكاملة، يصبح الردع ممكنًا دون حرب، وتغدو حماية الإنسان جزءًا من معادلة القوة، ويتحول الاقتصاد من أداة اختراق إلى أداة سيادة. أما استمرار تأجيل هذا المشروع، فلا يمثل خيارًا محايدًا، بل يترك فراغًا يُعاد ملؤه مرارًا من الخارج، ويجعل المنطقة ساحة دائمة لإعادة رسم الخرائط بدل أن تكون فاعلًا في صياغة مستقبلها.

*بالتزامن مع صحيفة “اللواء”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى