رأي

العدوان المستمر ومأزق الانتظار بين الضغط والردع (حسن عماشا)

 

كتب حسن عماشا – الحوارنيوز

 

لا شك ان العمليات العدوانية اليومية التي يشنها العدو الصهيو-اميركي تجاه بلادنا والمقاومة وبيئتها الحاضنة، تشكل مصدرا دائما للقلق والتوتر لدى الغالبية العظمى من الناس، سواء كانوا مع خيار المقاومة ام خارجه. ويستثنى من هذا القلق اولئك المرتبطون بالمشروع الاميركي ووكلائه، الذين يتعاملون مع الواقع بمنطق معزول عن المجتمع ومصالحه، ويبدون وكأنهم خارج السياق العام لمعاناة الناس وتحدياتهم.

يدرك العدو الصهيو-اميريكي، ومعه ادواته من نظم وقوى سياسية مرتهنة او متماهية معه، ان هذه العدوانية لا يمكن ان تحسم الحرب ولا ان تؤدي الى استسلام المقاومة او خضوعها. ومع ذلك، فانها تستخدم كوسيلة ضغط يومي على البيئة الحاضنة، في وقت لا يقدم فيه العدو اي حلول او تسويات، بل يعلن بوضوح اهدافه واطماعه في الارض والموارد. ويكفي النظر الى ما يجري على ارض الواقع في جنوب سوريا كنموذج حي لترجمة هذه الاهداف، حيث تتجلى السياسة التوسعية بلا مواربة او لبس.

امام هذا المشهد، يبرز السؤال الملح حول المدى الزمني لاستمرار هذا الوضع. فالاجابة التي تطرحها ادوات اميركا في الداخل تقوم على خيار الاستسلام دون قيد او شرط، او السعي الى فرض نزع السلاح بالقوة، حتى لو ادى ذلك الى انهيار اخر ما تبقى من مظاهر الدولة. ورغم ان هذا الخيار يبدو بعيد المنال، الا انه يشكل مصدر قلق حقيقي لدى جمهور هذه القوى وبيئاتها، اكثر مما يشغل بال المقاومة وجمهورها في الجهة المقابلة.

في الوسط، تقف السلطة في موقع العجز والافلاس السياسي. فهذه السلطة لم تنجح في الحصول على اي دعم فعلي او قوة تمكّنها من بناء قاعدة شعبية، تتيح لها اتخاذ قرارات تتحول الى افعال ملموسة، سواء في مواجهة التحديات التي يفرضها العدو، او في تقديم حلول للازمات المتفاقمة ومعالجتها. وبغض النظر عما تعلنه من رؤى ومواقف، وما يحيط بها من التباسات، تبقى هذه السلطة هامشية، لا اثر حقيقيا لها ولا وزن فعليا في صناعة الاحداث.

يبقى السؤال قائما حول مستقبل هذا الواقع، في ظل غموض موقف المقاومة، ولو انها تلقي بمسؤولية مواجهة هذه التحديات على عاتق السلطة، التي بدأ الرهان عليها يتآكل على المستوى الشعبي العام. وفي هذه الظروف، لا يمكن للمقاومة ان تبادر الى خطوات تصعيدية للرد على العدوان، لان مثل هذه الخطوات تفرض اثمانا باهظة، خصوصا على البيئة الحاضنة، وتنعكس معاناة على مختلف الصعد، ما دامت المقاومة لم تستعد بعد ميزان الردع.

واستعادة هذا الميزان لا تتعلق بالجانب التقني او بالتسليح فقط، بل تحتاج الى شروط ومقومات اوسع واشمل، اقتصادية وسياسية واجتماعية. كما انها لا تنحصر في الدائرة الكيانية الخاصة، بل ترتبط عضويا بظروف المنطقة ككل، وبالبيئة الدولية غير الملائمة في المرحلة الراهنة.

ما بات واضحا ولا جدال فيه، ان القوة الاميركية، رغم جبروتها وقدرتها على فتح الحروب في اي مكان في العالم، تعجز عن حسم نتائج هذه الحروب او اغلاقها. وفي الوقت نفسه، لا تستطيع التعايش الى ما لا نهاية مع حالة الفوضى التي تخلقها في اكثر من ساحة، اذ سرعان ما تستدعي هذه الفوضى المزيد من الاعداء، وتتحول الى عامل استنزاف يرتد عليها، ويفقدها القدرة على الحفاظ على الحد الادنى المتبقي من مصالحها.

واذا كانت قوى المقاومة، ومن خلفها الدول الرافضة للخضوع للاملاءات الاميركية، تحجم عن الرد ما دامت كلفة الاعتداءات محمولة، فان اي تصعيد يتجاوز هذا السقف ويفرض المواجهة لن يترك لها خيارا سوى الرد. وحينها، ورغم ما قد يلحق بها من خسائر، لن تكون النتيجة اعادة انتاج تسوية بشروط جديدة، بل مسارا يؤدي الى انهاء الوجود الاميركي في المنطقة، وانهيار القوى والنظم التابعة له، وفتح المجال امام القوى الصاعدة دوليا لملء الفراغ بشروط تتلاءم مع مصالح دول وقوى المقاومة.

لا يزال الخطاب السياسي والدبلوماسي السائد عالميا ينطلق من اعتبارات وقواعد انتجتها الحرب العالمية الثانية، من قوانين وتشريعات دولية ومؤسسات راعية لها، تمثلت بالامم المتحدة وما انبثق عنها من هيئات في مختلف المجالات الحقوقية والانسانية. غير ان هذه القواعد بدأت بالتحلل منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، مع حلول القوانين الاميركية محل التشريعات الدولية، وصولا الى حرب غزة، التي همشت الامم المتحدة ومؤسساتها، وافقدتها اي دور مؤثر في مسار الاحداث.

ومن هنا، يتضح ان من يراهن على حماية وجوده بقانون دولي او بسند من قوة خارجية، من دون امتلاك عناصر قوته الذاتية، انما يعيش في وهم لا يحفظ له بقاء ولا يضمن له مستقبلا. واي ركون الى مواقف اخلاقية مجردة او مصالح عابرة، من دون قدرة فعلية على الدفاع عن الذات، هو شكل من اشكال الاستسلام الذي يخرج اصحابه من مسار التاريخ.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى