حماية الرموز الدينية والوطنية.. خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه (أسامة مشيمش)

بقلم الدكتور أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
في مرحلة شديدة الدقة من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع الأخطار الخارجية مع الانقسامات الداخلية، يطلّ خطاب سياسي وإعلامي مأزوم يتجاوز كل الضوابط الأخلاقية والوطنية، مستهدفًا الطائفة الإسلامية الشيعية في عقيدتها ورموزها الدينية ومراجعها، ومتوسعًا ليطال شخصيات وطنية في موقع المسؤولية الدستورية، وفي مقدّمها دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري. إن هذا الانحدار الخطير لا يمكن فصله عن مشروع فتنة مكشوف، ولا عن محاولات منظمة لضرب ركائز الاستقرار السياسي والوطني.
إن البيان الصادر عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى جاء في توقيته ومضمونه ليضع حدًا لهذا التفلّت المنظّم، ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. فالمجلس، الذي آثر طويلًا ضبط النفس وتغليب المصلحة الوطنية في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان، وجد نفسه أمام تصعيد غير مسبوق في حملات التحريض والتجني، لم تكتفِ بالإساءة إلى الرموز الدينية الشيعية، بل تمادت إلى التطاول على رئيس سلطة دستورية يمثّل موقعًا وطنيًا جامعًا.
إن التطاول على الرئيس نبيه بري ليس مسألة رأي سياسي أو نقد مشروع، بل هو في كثير من الأحيان إسفاف مقصود، وتشهير فجّ، ومحاولة للنيل من موقع رئاسة مجلس النواب كركن أساسي في التوازنات الدستورية اللبنانية. والرئيس بري، بما يمثّله من تاريخ سياسي ودور وطني في حماية السلم الأهلي، ورعاية الحوار، والدفاع عن وحدة المؤسسات، لا يمكن اختزاله بحملات شتيمة وتحريض تقودها منابر مأجورة أو حسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي.
الأخطر في هذا المشهد، ليس فقط جرأة المتطاولين، بل صمت السلطات السياسية والقضائية، الذي بات يُفهم على أنه تواطؤ أو عجز، وفي الحالتين هو أمر مرفوض. فالدولة التي تعجز عن حماية الرموز الدينية من الإهانة، وتسمح في الوقت نفسه بالنيل من أعلى موقع تشريعي في البلاد، إنما تفرّط بهيبتها، وتفتح الباب أمام منطق الفوضى وتصفية الحسابات في الشارع والإعلام.
إن حرية التعبير، التي يُكثر البعض من التذرّع بها، لا تعني أبدًا حرية الشتيمة أو التحريض أو المسّ بالمقدسات والرموز الوطنية. النقد السياسي له أصوله وضوابطه، أما ما نشهده اليوم فهو انحطاط أخلاقي يخدم أجندات داخلية وخارجية، هدفها تفكيك النسيج الوطني، وإغراق لبنان في صراعات عبثية هو بغنى عنها.
من هنا، فإن تحذير المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من استمرار هذه التجاوزات، واحتفاظه بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية ورفع الدعاوى القضائية، هو موقف مسؤول يقدّم منطق الدولة والقانون على منطق الانفعال. وهو في الوقت نفسه تحميل صريح للسلطات الرسمية كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تنشأ نتيجة استمرار هذا الانفلات.
إن حماية الرموز الدينية، وصون موقع رئاسة مجلس النواب، ليست مطالب فئوية أو شخصية، بل واجب وطني ودستوري. فمن يعبث بهذه الثوابت، إنما يعبث بوحدة لبنان واستقراره. والفتنة، حين تُترك بلا ردع، لا تميّز بين طائفة وأخرى، ولا بين موقع وآخر.
لبنان اليوم بحاجة إلى دولة تحكم بالقانون، وإلى موقف حازم يضع حدًا لهذا الانحدار، ويؤكد أن الكرامة الدينية والوطنية ليست مادة للمزايدة أو الاستثمار السياسي، بل خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه تحت أي ظرف.


