يسوع الناصري: صراع “سياسة الحق” ضد “شيطنة الضمير” (أكرم بزي )

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
لم يكن السيد المسيح عليه السلام مجرد واعظ روحي يعتزل الشان العام، بل كان صاحب مشروع اصلاحي راديكالي استهدف البنية الطبقية والسياسية لمجتمع فلسطين تحت الاحتلال الروماني. ان تحركاته لم تكن تهدف لانتزاع “منصب” تقليدي، بل لتفكيك منظومة الاستغلال التي تحالفت فيها النخبة الدينية المحلية مع المستعمر الاجنبي، مما جعله سياسيا من الطراز الاول واجه السلطة في عقر دارها [1].
اولا: تطهير الهيكل (الصدام مع النظام المالي)
كان الهيكل في القدس يمثل “البنك المركزي”،
وقعت الحادثة في دار الامم بساحة الهيكل في القدس خلال اسبوع الفصح، وكان الهيكل يعج بالزوار الذين يحتاجون الى شراء حيوانات للذبائح واستبدال عملاتهم الاجنبية بالعملة المحلية لدفع ضريبة الهيكل، في هذا السياق صنع المسيح سوطا من حبال وطرد الباعة والمواشي وقلب طاولات الصيارفة وكراسي باعة الحمام، ثم صرخ فيهم قائلا مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص، ولم يكن غضبه موجها الى التجارة بحد ذاتها بل الى الفساد والظلم اللذين مارسهما القادة الدينيون والتجار، حيث انتشر الاحتكار والاستغلال عبر رفع اسعار الاضاحي بشكل مبالغ فيه مستغلين حاجة الفقراء لتقديم القرابين، وفرض الصيارفة رسوما باهظة لتحويل العملات مما اثقل كاهل البسطاء، كما تحولت دار الامم وهي المكان الوحيد المخصص لغير اليهود للصلاة الى سوق صاخب مليء بالثغاء والروث والمساومة، الامر الذي منع الناس من التواصل الروحي وحول المقدس الى مساحة منتهكة فاقدة لغايتها.
بتصديه للمرابين، لم يقم المسيح عليه السلام بفعل طقسي فحسب، بل قام بـ “عصيان مدني” استهدف مصادر دخل المنظومة الفاسدة [4]. وصفه للهيكل بـ “مغارة لصوص” كان اتهاما سياسيا مباشرا للطبقة الحاكمة بممارسة الفساد المؤسسي تحت غطاء قدسي، وهو ما جعل التخلص منه ضرورة اقتصادية لهذه النخبة للحفاظ على مكاسبها المادية [5].
ثانيا: التعبئة الشعبية والمحاكمة السياسية
استخدم المسيح عليه السلام لغة سياسية بامتياز، فبشارة “ملكوت الله” كانت تعني اعلان سيادة بديلة تتحدى “امبراطورية روما” [1]. نجاحه في حشد المهمشين شكل “كتلة حرجة” رات فيها السلطات نواة لثورة شعبية [2]. وفي المحاكمة، واجه تهمة سياسية صريحة هي “افساد الامة والادعاء بانه ملك”، وصلب كـ “متمرد سياسي”، وهي عقوبة روما لمن يهددون نظام الدولة العام [2]، [3].
ثالثا: تفنيد مقولة “رجل الدين المسيس شيطان اكبر”
بناء على هذا الارث التاريخي، يبرز تناقض حاد بين رسالة المسيح وبين التصريحات السياسية المعاصرة (مثل تصريح نائبة البرلمان اللبناني) التي تصف تدخل رجل الدين في السياسة بـ “الشيطنة”. ويمكن تفنيد هذا الادعاء عبر النقاط التالية:
قلب الادوار
في قصة المسيح، لم يكن “الشيطان” هو من طالب بالعدالة وتطهير المؤسسات، بل كان النظام الذي تحالف لسرقة اموال الناس [5]. ان “الشيطان الاكبر” هو من يسعى لـ “عزل الاخلاق عن السياسة”، لان السياسة بلا رادع قيمي تتحول الى اداة للنهب.
تحصين الفساد
شعار “فصل الدين عن السياسة” يستخدم احيانا ليس لحماية الدولة، بل لتحصين الفاسدين من النقد الاخلاقي. لو صمت المسيح عن “سياسة” الهيكل وفساد قيافا، لعاش، لكنه “تدخل” ليحمي المظلومين، فدفع حياته ثمنا لذلك.
التاريخ كشاهد
لو كان كل رجل دين يتدخل بالسياسة شيطانا، فلترشدنا سعادة النائبة ما كان المسيح (بمنطق النائبة)، ولكان قادة التحرر مثل مارتن لوثر كينغ “شياطين” ايضا. الحقيقة ان “الضمير الحي” هو ما يزعج “شياطين السياسة” الحقيقيين.
لقد كانت عملية قتل المسيح (بالمفهوم المسيحي) تصفية سياسية بامتياز، لانه رفض الفصل بين الايمان والعدالة الاجتماعية. ان “الشيطان الاكبر” ليس هو رجل الدين الذي يتبع خطى المسيح في قلب طاولات “مرابي الهيكل” الجدد، بل هو النظام الذي يريد اقناع الناس بان السياسة ملكية خاصة للفاسدين، ولا يجوز للقيم الانسانية ان تقترب منها.
وهنا على سعادة النائبة أن تقرر عندما تشيطن رجال الدين هل كان السيد المسيح عليه السلام رجل دين أم لا.
المصادر المرجعية:
1، جون هوارد يودر، “سياسة يسوع” (1972م).
2، س. ج. ف. براندون، “يسوع والغيورون” (1967م).
3، ا. ن. ويلسون، “يسوع: حياة” (1992م).
4، ريتشارد كاسيدي، “يسوع والسياسة” (1978م).
5، رضا اصلان، “الغيور: حياة وزمن يسوع الناصري” (2013م).


