إسرائيل ومعادلة القوة المفروضة (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
في المشهد الإقليمي المزدحم بالتوترات والتحوّلات، تتصرف إسرائيل كما لو أنها تعيد كتابة قواعد الاشتباك من جديد، مستندة إلى سردية قديمة ترى في القوة وحدها الضامن الأخير لبقائها. لم تعد تل أبيب تكتفي بالرسائل السياسية أو الدبلوماسية، بل تنحو نحو توظيف فائض القوة العسكرية بوصفه اللغة الوحيدة التي يمكن، برأيها، أن تُفهَم في محيط يتغيّر بسرعة أكبر مما تتحمّله بنيتها الداخلية.
هذا الميل المتزايد نحو التصعيد ليس طارئاً. هو نتاج تراكم تاريخي، بدأت ملامحه منذ تبنّي نظرية “الجدار الحديدي” التي اعتبرت أن فرض الردع يبدأ من صناعة الخوف في عقل الخصم. وفي السنوات الأخيرة، بدا وكأن إسرائيل تحاول إحياء هذه النظرية بنَفَس أكثر حدّة، مدفوعة بإحساس مضاعف بالقلق: قلق من تغيّر موازين القوى في المنطقة، وقلق من التحوّلات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، الذي يعيش واحدة من أكثر لحظاته هشاشة منذ تأسيس الدولة.
في العمق، تتحرك إسرائيل في مساحة رمادية بين الدفاع والهجوم، بين الحاجة إلى طمأنة جمهورها بإظهار القدرة، والخشية من أن تتحوّل هذه القدرة إلى عبء سياسي وأمني يصعب التحكم بتداعياته. فالمواجهة المفتوحة لم تعد خياراً سهلاً، والانسحاب من ساحات الاشتباك لم يعد ممكناً من دون دفع أثمان سياسية داخلية. وهكذا، تجد تل أبيب نفسها أسيرة معادلة مركّبة: أن تبقى قوية بما يكفي كي لا تُهزم، ولكن من دون أن تقود هذه القوة إلى حرب شاملة تتردد مؤسساتها العسكرية والسياسية في خوضها.
هذا التناقض ينعكس بوضوح على طريقة تعاملها مع لبنان. فإسرائيل تدرك أن مساحة المناورة باتت ضيقة، وأن خطوط التماس لم تعد تحتمل قراءة مبسّطة. ما يجري في الجنوب ليس مجرد تبادل ناري، بل هو اختبار يومي لحدود الردع وقدرة الطرفين على إدارة الاشتباك من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ومع ذلك، تبدو تل أبيب وكأنها تعيش على إيقاع رهانات متضاربة: تلوّح بالقوة القصوى، وتتصرف كما لو أن الحرب ممكنة في أي لحظة، لكنها في الوقت نفسه تحسب بدقة كلفة كل خطوة، خشية أن تتحول شرارة صغيرة إلى حريق لا يمكن إطفاؤه.
وفي خلفية هذا المشهد، تتداخل الحسابات الدولية. الدعم الغربي لإسرائيل ليس على الصورة التي اعتادت عليها لعقود، والخيارات الأميركية باتت أكثر تعقيداً، بعدما وجدت واشنطن نفسها أمام منطقة تتغير بسرعة أكبر من قدرتها على ضبطها. هذه الفجوة بين الرغبة الأميركية في التهدئة ومسار إسرائيل المتجه نحو التصعيد تخلق طبقة إضافية من التوتر، تجعل المشهد أكثر عرضة للانفجار.
كل ذلك يضع إسرائيل أمام سؤال لا تستطيع الهروب منه: هل ما زال بالإمكان صناعة الأمن عبر القوة وحدها؟ أم أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، صار فيها فائض القوة نفسه جزءاً من المشكلة، لا من الحل؟
خلاصة: في نهاية هذا المسار المتشابك، يظهر أن المقاومة — مهما تعددت الضغوط أو تبدّلت موازين القوى — ما زالت العامل الأكثر إرباكاً لحسابات إسرائيل، والأقدر على كسر احتكارها لمعادلة الردع. فوجود مقاومة تمتلك الإرادة والقدرة على إعادة تعريف حدود الاشتباك يجعل إسرائيل مضطرة إلى إعادة التفكير في خياراتها، مهما حاولت الهروب إلى الأمام. وفي المشهد الأوسع، لم تعد القوة الإسرائيلية كافية لفرض واقع دائم، ولا كافية لإلغاء حقيقة أن الطرف الآخر لم يعد الحلقة الأضعف في ميزان الصراع.
ومع أن إسرائيل تستند إلى تفوق عسكري واضح، إلا أنّ المقاومة أثبتت أن القدرة على التأثير في المعادلات لا تُقاس فقط بما تمتلكه الجيوش من أدوات، بل بما تمتلكه الشعوب من إرادة، وبما يحمله المشروع المقاوم من معنى يتجاوز اللحظة الآنية. وهكذا، ومع كل جولة توتر أو اشتباك، تتأكد حقيقة بسيطة: أن المستقبل لن يُكتب باتجاه واحد، وأن إسرائيل – رغم ما تمتلكه – لم تعد اللاعب الوحيد القادر على صياغة النتائج.
في زمن تتغير فيه خرائط القوة، تبدو المقاومة كعامل توازن لا يمكن تجاوزه، وكصوت يحول دون انزلاق المنطقة إلى استسلام كامل أمام منطق التفوق الأحادي. إنها ليست مجرد رد فعل، بل مشروع يستند إلى قناعة بأن فرض العدالة يبدأ من القدرة على كسر منطق القوة المفروضة. وهذا وحده كافٍ لجعل إسرائيل تدرك أن أي حسابات مستقبلية لن تكتمل من دون وضع المقاومة – بكل وزنها وتأثيرها – في مركز المعادلة، مهما حاولت تجاهل ذلك أو الالتفاف عليه.



