سياسةصحف

رسائل متبادلة بين دمشق وطهران | إيران ما بعد الأسد: الحذرُ كسياسة (حسين الأمين)

 

الحوارنيوز – صحافة

 

تحت هذا العنوان كتب حسين الأمين في صحيفة الأخبار اليوم:

تصوغ طهران سياستها تجاه سوريا بحذرٍ استراتيجي، وفيما تتحلّى ببراغمية محدودة، تنتظر إيران تحولاً في الموقف السوري، وتعتمد على قنوات دبلوماسية للتواصل غير المباشر.

 

عاشت القيادة الإيرانية صدمة حقيقية أمام الانهيار السريع لنظام الرئيس السوري السابق، بشار الأسد، وما أثاره من مخاوف فورية حيال مستقبل نفوذ طهران في الإقليم. فالنظام السوري، في أثناء عهد الأسد، كان يشكّل الحلقة الأهمّ في «محور المقاومة»، كما كان يمنح إيران حضوراً مباشراً على مقربة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك في إطار ما تعتبره طهران استراتيجية «دائرة النار» الهادفة إلى تطويق إسرائيل. وفي ظلّ هذا التحوّل المفاجئ، انشغل صنّاع القرار الإيرانيون بأخطر تداعياته، وعلى رأسها أنّ خروج قوّاتهم من سوريا، سيضعف قدرة بلادهم على تأمين خطوط إمداد «حزب الله» وإعادة تسليحه، خصوصاً أنّ هذه التطورات جاءت متزامنة مع انتهاء الحرب الإسرائيلية العنيفة على لبنان، والتي تلقّى فيها الحزب ضربات موجعة كان أبرزها اغتيال أمينه العام، الشهيد السيد حسن نصر الله.

كذلك، تعزّز في طهران الشعور بأنّ إضعاف «حزب الله» وسقوط نظام الأسد، سيُحدثان فجوة خطيرة في خطّ الدفاع الأمامي للجمهورية الإسلامية، الأمر الذي قد يمكّن إسرائيل من تهديد المنشآت النووية الإيرانية بشكل مباشر. فالمسألة بالنسبة إلى إيران لا تنحصر في كيفية إعادة ترميم قوة حليفها في لبنان – المحتاج فعلاً إلى الترميم – بل تتّصل قبل كل شيء بحماية مجالها الأمني الاستراتيجي. وانطلاقاً من هذه التقديرات، بدا واضحاً أنّ طهران، ستكون مضطرة إلى بلورة سياسة ردع جديدة، تختلف في مرتكزاتها عن تلك التي اعتمدت طويلاً على قوى المقاومة في الإقليم، وتراعي موقع إيران المستجدّ في الخريطة الإقليمية بعد سقوط الحليف السوري التقليدي.

مرحلة التكيّف والاختبار

دخلت إيران مرحلة جديدة من التكيّف مع الواقع الإقليمي المتبدّل؛ ومع حلول آذار/ مارس 2025، بدأت وزارة الخارجية الإيرانية تعتمد خطاباً أكثر مرونة، دعت فيه إلى «حوار وطني» و«تشكيل حكومة شاملة» في سوريا. وبهذا التحوّل، أعادت إيران صياغة مقاربتها للملف السوري، منتقلةً من الانخراط العسكري المباشر، إلى توظيف أدوات دبلوماسية ووسائل نفوذ غير مباشرة.

في الوقت الراهن، لم يعُد لإيران وجود عسكري رسمي داخل سوريا، فيما تبقى سفارتها في دمشق مغلقة. وبحسب محمد شيباني، المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الإيرانية للملف السوري، فإنّ الجمهورية الإسلامية «تترقّب وتتأمّل» تبلور ملامح المرحلة السورية الجديدة، حتى تبني على الشيء مقتضاه. في المقابل، تبدو دمشق ما بعد التغيير، بانفتاحها المتزايد على القوى الغربية، أقلّ رغبة في الاندفاع نحو شراكة مع طهران. وعلى أي حال، يبدو أنّ الطرفين يسعيان إلى اختبار حدود العلاقة، وإعادة تعريفها ضمن صيغة براغماتية وغير رسمية، في ظلّ بيئة إقليمية مضطربة تشكّل السياسة الأميركية المتقلّبة أحد أبرز عوامل عدم استقرارها.

يبرز السيناريو الأكثر ترجيحاً، وهو أن تجد إيران نفسها لاعباً طرفياً في الساحة السورية في أثناء المدى المتوسط

وفي موازاة ذلك، تعمل تركيا وقطر على بناء توازن في الساحة السورية، عبر أداء دور «الجسر» بين دمشق وطهران. فأنقرة والدوحة، وإن كانتا لا ترغبان في رؤية سوريا تتحوّل إلى «ساحة نفوذ إيراني» مجدّداً، إلا أنهما تدركان أهمية دفع طهران إلى الاعتراف بالنظام السوري الجديد، بما يضمن عدم خروجها من المشهد، وبالتالي عدم تحوّلها إلى عامل سلبي فيه. كما تُسجّل تقاطعات واضحة بين إيران وتركيا وحتى السعودية في ما يتّصل بوحدة سوريا، حيث لا يبدو أي طرف إقليمي – باستثناء إسرائيل – مستفيداً من سيناريو التقسيم. ومن هنا، يصبح نفوذ إسرائيل واحتلالها لأجزاء من الأراضي السورية هاجساً تتشاركه إيران وتركيا وقطر، وحتى السعودية.

وعلى خطّ موازٍ، رفعت إيران منسوب اعتمادها على وساطات إقليمية، وفي مقدّمها العراق، الذي بدأ يؤدّي دوراً نشطاً في إدارة قنوات دبلوماسية سرّية عبر زيارات متواصلة لمندوبين من الاستخبارات ووزارة الخارجية العراقية إلى دمشق، وذلك في محاولة لفتح خطّ تواصل غير مباشر بين طهران والسلطة السورية الجديدة. أيضاً، واصلت روسيا أداء دور القناة الدبلوماسية التي تتيح استمرار التواصل غير المباشر بين إيران وحكومة أحمد الشرع.

رسائل متبادلة

بحسب مصادر «الأخبار»، تبادلت دمشق وطهران، في أثناء النصف الأول من العام الجاري، رسائل عدّة عبر الوسيط العراقي، تناولت ملفات متشابكة، بينها «إعادة بعض المواطنين الإيرانيين من سوريا، والتفاهم حول وضعية السوريين الشيعة داخل البلاد، أو أولئك الراغبين في العودة»، إضافةً إلى مطالب الحكومة السورية الجديدة بـ«منع انضمام الشيعة السوريين، وخصوصاً الذين حملوا السلاح إلى جانب النظام السابق، إلى أي مشاريع انفصالية». كما طلبت دمشق من طهران «استغلال نفوذها لدى كبار ضباط النظام السابق، وخصوصاً العلويين منهم، لتهدئة الأوضاع في الساحل»، وذلك بعد موجة من أعمال القتل والتنكيل التي نفّذتها مجموعات مسلّحة تابعة للنظام الجديد. وفيما اتّهمت الحكومة الجديدة إيران و«حزب الله» بالمسؤولية عن أحداث الساحل، نفت طهران، عبر المراسلات نفسها، تلك الاتهامات.

وفي سياق متّصل، علمت «الأخبار»، من مصادر دبلوماسية، أنّ رسائل إضافية وصلت من دمشق إلى طهران عقب زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى موسكو، تحدّثت عن «إمكانية استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإعادة افتتاح السفارة الإيرانية في دمشق»، وذلك في مقابل تلبية مطالب اقتصادية ملحّة بالنسبة إلى سوريا في المرحلة الحالية، كانت إيران قد لبّت مثيلاتها في أثناء الأعوام السابقة.

مع ذلك، تشير المصادر إلى أنّ الإيرانيين «يُبدون قدراً واضحاً من التريّث»، ويعبّرون أمام الوسطاء عن «عدم استعجالهم اتّخاذ خطوات جدّية تجاه الحكم الجديد في دمشق». ويقف عامل «غياب الثقة» في خلفية هذا التريّث، خصوصاً بعد تجربة سقوط الأسد، التي قلّصت ثقة المؤسسة الإيرانية بكلّ من تركيا وروسيا في إدارة الملف السوري.

على أنّ مراقبين يربطون التردّد الإيراني أيضاً، بشكوك عميقة لدى أجهزة الاستخبارات الإيرانية في قدرة الحكومة السورية الجديدة على فرض سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، وبالتالي تثبيت نفسها كسلطة مستقرّة وشرعية. إذ يسود اعتقاد في طهران، كما في عواصم إقليمية أخرى، بأنّ «سوريا مقبلة على فوضى عارمة» في أثناء المدّة المقبلة، لن تقتصر على الجنوب، بل قد تمتدّ إلى الساحل والشرق؛ وهو ما يدفع دول المنطقة، ومنها إيران، إلى اعتماد مزيد من الحذر، ريثما تتّضح الاتجاهات النهائية للمشهد السوري.

في ضوء هذه المعطيات، يبرز السيناريو الأكثر ترجيحاً، وهو أن تجد إيران نفسها لاعباً طرفياً في الساحة السورية في أثناء المدى المتوسط؛ فإذا نجحت الحكومة السورية الجديدة في تعميق شراكاتها الاستراتيجية مع تركيا وقطر ودول الخليج، وتمكّنت في الوقت نفسه من بناء شكلٍ من أشكال التوازن في علاقاتها مع إسرائيل، سيظلّ النفوذ الإيراني ضمن حدود ضيّقة لا تتجاوز الحدّ الأدنى. أمّا السيناريو الأفضل من وجهة نظر طهران، فيتمثّل في إعادة فتح قنوات التواصل الرسمية واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بما يشمل إعادة فتح السفارات؛ غير أنّ تحقّق هذا المطلب يبدو مشروطاً بتدخّل دبلوماسي فاعل، غالباً عبر موسكو أو عبر وساطة تقوم بها دولة ثالثة. ويبقى حدوث تطورات من خارج السياقات التقليدية، كفيلاً بتغيير وضعية الدور الإيراني في سوريا، لكن ذلك لا يبدو وشيكاً في الوقت الحالي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى