رأيغير مصنف

ماذا بعد مصيدة قطر ؟(زينب اسماعيل)

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

في قلب الشرق الأوسط تتقاطع الحقائق المشتتة مع الانفجارات والصراعات الدبلوماسية، لتتحول كل لحظة سياسية إلى مشهد مسرحي متشابك، حيث الحقيقة ضائعة والجمهور يحاول أن يفهم ما يحدث على الخشبة.

*مصيدة قادة حماس في قطر: مسرح الشرق الأوسط بين الحقيقة والوهم*

في المشهد الأخير من مسرحية الشرق الأوسط، لا أحد يعرف من كتب النص الحقيقي ومن وزع الأدوار. قادة حماس في الدوحة وجدوا أنفسهم بين فوهة الاستهداف وبين صمت الدبلوماسية، بينما كان المسرح يعجّ بالرؤساء والوسطاء والمبعوثين. كل واحد منهم يعتلي الخشبة ليلقي جملته القصيرة، فيغدو النص متشظيًا، والحقيقة ضائعة بين ما يُقال وما يُخفى.

في الدوحة، حيث ظنّت حماس أنها وجدت مأمنًا سياسيًا بعد حصار غزة وضغوط القاهرة، كانت الرقابة الأمنية تضيق حولها من حيث لا تدري. الضربة الإسرائيلية التي طالت قادتها لم تكن مجرد عملية اغتيال عابرة، بل أشبه بمصيدة مُحكمة رسمت خطوطها في العلن والظل معًا. إسرائيل قالت إنها تملك اليد الطولى حتى في قلب التحالفات الناعمة. وقطر أنكرت علمها أو مشاركتها، لكنها بدت كمن يحاول تبرير عجزه لا أكثر. أما واشنطن فاختارت الغموض، تُدين وتُبرر في آن واحد، كمن لا يريد أن يخسر أحدًا لكنه في الوقت نفسه لا ينقذ أحدًا.

المفارقة الكبرى أنّ هذه الضربة جاءت في لحظة سياسية موازية تمامًا، حيث كانت إيران توقّع اتفاقًا جديدًا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. المشهد بدا وكأن المسرح وُزع بين لوحتين: الأولى دماء القادة في الدوحة، والثانية توقيع عراقتشي مع غروسي على الورق الأبيض. وكأن اللعبة أرادت أن تُعلن أنّ طهران تعود إلى الطاولة الدولية أقوى، بينما حليفها الفلسطيني يُستنزف في الميدان.

إسرائيل، وهي ترفع الستارة على نجاحها الأمني، لم تكتشف أنها في المقابل كشفت عمق عزلتها. فالاغتيالات قد تحقق مكاسب آنية، لكنها تزرع أيضًا بذور ردود الفعل الطويلة. حماس، التي بدت محاصرة حتى في الشتات، لن تسقط بالضربة الأولى. لكنها تعي الآن أكثر من أي وقت مضى أن الحماية الإقليمية ليست مظلة مطلقة، وأن الصداقة السياسية مرهونة بلحظة المصالح.

أما قطر، فخرجت من المسرح بوجه مرتبك، بين إنكارها واتهامات الآخرين. حاولت أن تؤكد أنها مجرد وسيط، لكن الوسيط حين يُستهدف ضيوفه على أرضه، يفقد الكثير من صدقيته. الولايات المتحدة بدت كذلك مترددة، عاجزة عن رسم خط ثابت، كمن يشارك في المسرحية بوجهين: واحد يصفق للعرض، وآخر يخشى أن تنهار الخشبة من تحته.

في النهاية، يظهر أن الهدف لم يكن مجرد تصفية حساب عسكرية مع حماس، بل توجيه رسالة أوسع: أنّ أي مقاومة خارج حدود غزة لن تجد مأمنًا، وأن إعادة صياغة المشهد الإقليمي تمرّ عبر إعادة توزيع الأدوار، حتى لو كان الثمن دمًا جديدًا على رمال الخليج.

*التداعيات والسيناريوهات المقبلة*

على قطر: وجدت نفسها بين إنكارها للعلم بالضربة، وبين اتهامات غير مباشرة بالتواطؤ أو العجز عن حماية سيادتها، ما يضعف صورتها كوسيط محايد.

على حماس: العملية لم تُنهِ الحركة لكنها أصابتها سياسيًا ومعنويًا، وأظهرت هشاشة موقعها الخارجي حتى في الدول الحليفة أو الحاضنة.

على إسرائيل: أثبتت قدرتها على توسيع ساحة المعركة خارج غزة، لكنها في الوقت نفسه عرّضت نفسها لموجة انتقادات دولية قد تزيد عزلتها.

على الولايات المتحدة: بدت مرتبكة بين دعمها الكامل لإسرائيل ومحاولة ضبط إيقاع الأزمة مع الحلفاء الخليجيين، ما يكشف حدود تأثيرها.

على إيران: بينما خُنقت حماس في الدوحة، كانت طهران تعود إلى الطاولة الدولية بتوقيع اتفاق نووي جديد، ما يعزز موقعها الاستراتيجي.

على المشهد العام: الشرق الأوسط بدا كخشبة مسرح تتقاطع فوقها الانفجارات مع التوقيعات الدبلوماسية، لتؤكد أن الحقيقة ليست ثابتة، وأن كل طرف يكتب نصّه الخاص على حساب الآخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى