هندسة التمييز المؤسسي: كيف يُسرق الأمان الاجتماعي للبنانيين؟ (سعيد عيسى)

بقلم د.سعيد عيسى – الحوارنيوز
مناسبة كتابة هذا المقال هو تهليل نقيب أطباء الأسنان في لبنان، لإصدار المجلس الأعلى للجمارك، المراسيم التطبيقية المتعلّقة باستيفاء رسم طابع 2%، على الفاتورة المتعلّقة بأدوات تنظيف الأسنان، وأدوية الغرغرة، لصالح صندوقي التقاعد لأطباء الأسنان في نقابتي بيروت وطرابلس.
من حقّ النقابتين أن تهلّلا وتفرحا، فتقاعد منتسبيهما يسير نحو الراحة ويعتمد عليّ وعلى أمثالي. لكن من حقي أنا كمواطن أن أتساءل، لماذا يجب أن ادفع جزءا من راحتهم؟ وهل إذا ارتاحوا في شيخوختهم يصيبني نصيب من الراحة؟ ولماذا أنا من يوجب عليه الدّفع؟ فهل أرتاح عندها في شيخوختي؟
بالطبع لا! لأنني أعمل وعند التقاعد أذهب إلى بيتي وأعيش عالة على أولادي إذا كنت متزوجا، وعلى مكرمة الأوادم إذا كنت أعزبا، محمّلا بشتى أنواع الامراض المزمنة وتداعياتها، بانتظار أن تملّ الحياة مني، فتلفظني، لترتاح مني، وأرتاح منها. وما بات عليّ اليوم دفعه، سيضاف إلى ما ادفعه إلى القضاة والمحامين والأطباء والمهندسين والمستشارين وغيرهم، بالطبع لتسهل عليهم شيخوختهم.
أنا كمواطن دافع للضرائب، سواء كانت ضريبة على الأجور، أو على القيمة المضافة، أو الضرائب المباشرة أو غير المباشرة، أو للضمان الاجتماعيّ ومثلي العاملين في القطاع الخاص، والمتعاقدين في القطاع العام والمتعاقدين في التعليم الرسمي والمهني، لماذا علينا أن ندفع هذه الضرائب جميعها دون أن يكون لنا تقاعدٌ بالحدّ الأدنى كما للذين ندفع لهم ليتقاعدوا؟
في لبنان، لا يمثل نظام التقاعد مجرّد آليةٍ للحماية الاجتماعيّة، بل هو تجسيدٌ صارخٌ لتآكل العقد الاجتماعيّ وإفساده. إنها منظومة تعكس بوضوح الطبيعة الريعية والزبائنية للدولة اللبنانية، حيث تُسْتَخْدَمُ الموارد العامة ليس لخدمة الصالح العام، بل لترسيخ امتيازاتٍ طبقيّةٍ مهنيّةٍ ضيّقةٍ على حساب الغالبية السّاحقة من المواطنين. هذه ليست مجرد مسألة تمييز عابرة، بل هي جريمةٌ اجتماعيةٌ يُحاسَبُ عليها تاريخياً كلّ من صاغ هذا النظام وأقره.
التمييز في نظام التقاعد اللبنانيّ ليس عفوياً، بل هو نتيجة هندسةٍ مؤسّسيةٍ دقيقةٍ تُعنى بضمان استمراريّة التفاوت الطبقيّ. يتلقى القضاة، والمحامون، والأطباء، والصيادلة، والمهندسون، تمويلاً لتقاعدهم من رسومٍ إلزاميّةٍ يدفعها المواطن العادي في معاملاته اليوميّة. إنها سرقةٌ مقنّنةٌ: المواطن يدفع لإنهاء معاملةٍ قضائيّةٍ أو للاستفادة من خدمةٍ طبيّةٍ، لكن جزءاً من هذا المبلغ يُحوّل مباشرة لتمويل معاشات تقاعد فئاتٍ على حساب فئاتٍ أخرى لا تقاعد لديها ولا من يحزن عليها. هذا النظام يحوّل المواطن من شريكٍ في بناء الدولة إلى دافع ضرائبٍ مُهمَل، تُنْهَبُ أمواله علناً لتحقيق رفاهية تقاعد فئاتٍ أخرى.
إن أكثر ما يثير السّخط هو أن هذه الفئات، التي تتمتّع بامتيازات تقاعديّة، لم تبنِ صناديقها من فراغ، بل من عرق جبين الشعب اللبنانيّ عامّة، ولا يُعْرَفُ ما فضلها عليه. فبينما يواجه العامل في القطاع الخاص، أو المزارع، أو الحرفيّ وأمثالهم، مصيرهم المجهول بعد سنوات من العمل الشاق، يكرّس النظام السياسيّ والمؤسّساتيّ ذاته لدعم من لا يحتاجون بالضرورة إلى دعمٍ، ويتركون من هم في أمس الحاجة إليه يصارعون الفقر في شيخوختهم. هذا التفاوت ليس فقط غير أخلاقي، بل هو تهديد مباشر للاستقرار الاجتماعي.
لم تكن الأزمة الاقتصادية مجرّد كارثةٍ ماليّةٍ، بل كانت مرآةً عاريةً فضحت هشاشة هذا النظام الفاسد. فبينما انهارت قيمة الليرة وتآكلت مدخرات الجميع، انكشف أن نظام الحماية الاجتماعيّة اللبناني لم يكن سوى وهمٌ مبني على الريع والفساد. صحيح أن قيمة المعاشات تراجعت حتى للفئات المميزة، ولكن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الفئات لديها نقاباتٌ قويّةٌ وأصواتٌ مسموعةٌ في بنية الدولة تدافع عنها وتعمل لأجلها، بينما الغالبية الصامتة من العمّال تواجه وحش الفقر بلا أي سند.
إن هذا الواقع يؤكد أن أي محاولة لإصلاح اقتصاديّ دون إعادة بناء العقد الاجتماعيّ على أساس العدالة والمساواة هي مجرّد عملية ترقيعٍ فاشلةٍ. لا يمكن لدولة أن تزدهر عندما تكون مبنية على التمييز والإقصاء. إن المطالبة بنظام تقاعديّ عادل ليست رفاهية، بل هي مطلبٌ وجوديٌّ لجميع اللبنانيين الذين يرون مستقبلهم على مفارق الطرق وتقاطعاتها أمام أعينهم.
في الخلاصة، الحل الوحيد هو إلغاء نظام التقاعد الحاليّ المجحف الذي يأخذ من جميع اللبنانيين ويعطي لفئةٍ قليلةٍ لتتنعّم بشيخوختها، وبناء نظام حمايةٍ اجتماعيّةٍ شامل يغطي الجميع دون استثناء وعلى قدر المساواة دون تمييز، بغض النظر عن مهنتهم أو انتماءاتهم، ولأنّ المواطنية واحدة لا تتجزّأ. ويجب أن يكون التمويل من ضرائب تصاعديّة وعادلة لا ترهق الفقير وتثري الغني، ومن مساهماتٍ إلزاميّةٍ تضمن تكافؤ الفرص في الحماية الاجتماعية.
إن المواطن اللبناني لم يعد يقبل بأن يُنْظَرُ إليه كمجرّد مصدر دخلٍ لجباية الضرائب والرسوم لصالح النّخب. لقد آن الأوان لأن يفرض هذا المواطن إرادته في بناء دولة المواطنة، دولة تكرّم من عمل بجدٍ وإخلاصٍ، وتضمن له شيخوخة كريمة. فالحرب على الفساد تبدأ هنا: في المطالبة بنظامٍ تقاعدي لا يميّز، بل يوحّد، ويؤكد أن جميع اللبنانيين متساوون أمام القانون والمستقبل والمواطنة.



