رأي

المعقول والمقبول: عندما يصبح الفساد نمط حياة (سعيد عيسى)

 

بقلم د. سعيد عيسى – الحوارنيوز

في الخطابات القانونية والأخلاقية، يُنظَر إلى الفساد باعتباره انحرافًا: جريمة تُرتكب، أو انحلالًا في السلوك، أو خللًا في النظام. لكن من منظور أنثروبولوجي، لا يُفهم الفساد بوصفه فقط خرقًا للقاعدة، بل كـسلوك يتعايش معه الناس، ويتكيّفون معه، وأحيانًا كثيرة يبرّرونه ويُطوّعونه لاحتياجاتهم اليومية.

الفساد، في هذا المعنى، لا يُمارس فقط في الخفاء، بل يُتداوَل في الحوارات اليومية، في الأمثال الشعبية، في النكات، في الحِيل الصغيرة التي يبتكرها الناس لعبور الحياة. وبينما يراه القانون جريمة، يراه كثيرون “معقولًا ومقبولًا”، بل وأحيانًا “شرعيًا” في سياقات الفقر أو الظلم أو الغبن.

في المجتمعات التي تعاني من انهيار الدولة أو انعدام العدالة الاجتماعية، يُعاد تعريف ما هو “أخلاقي” أو “مسموح” على ضوء الحاجة لا القانون. ويظهر ما يسميه الباحث Jean-Pierre Olivier de Sardan  بـ”الاقتصاد الأخلاقي للفساد”، حيث يُعاد تقييم السلوك وفق موقع الفاعل وظروفه.

مثلًا: إذا قبل موظف بسيط هدية ليمرّر معاملة متوقفة، يُقال “ماشي حالو، عندو عيلة”، بينما لو تورط وزير في اختلاس، يُنظر إليه كـ”سارق دولة”. هذا التمييز لا يلغي الفساد، لكنه يدرجه ضمن هرم أخلاقي جديد، يعتمد على “الضرورة”، و”المعقول”، و”الناس كلها هيك”.

لا يُمارَس الفساد فقط من قبل الأفراد، بل تشرّعه الجماعة بصمتها، وتواطئها، وأحيانًا بحمايتها للفاعل. في كثير من القرى أو الأحياء، لا يُفضَح المسؤول المحلي الذي “يأخذ نسبته”، ما دام “يساعد الناس”، أو “يعرف من أين تؤكل الكتف”.

الفساد هنا يُعاد تأويله ككفاءة اجتماعية، لا كخرق. يُنظر إلى الفاسد بوصفه فاعلًا ناجحًا، أو “ابن بلد”، أو “شاب مرتب بيعرف يخلّص شغل”، لا كمنتهك للأخلاق العامة.

في مجتمعات تتسم بالتفاوت الكبير، يُستخدَم الفساد أحيانًا كأداة “تعويض غير رسمي. مثلًا: حين يزوّر طالب شهادته لأنه لا يملك المال للدراسة، أو حين تدفع أم فقيرة رشوة لتسريع دخول ابنها إلى المدرسة الرسمية، أو حين تُمنَح “واسطة” لوظيفة لمجرد أن الجميع يحصل عليها بهذه الطريقة.

تُظهر دراسة أجراها Steven Sampson  في البلقان أن الفساد يُمارَس أحيانًا باعتباره شكلاً من العدالة الشعبية، حين تغلق المؤسسات الرسمية أبوابها أمام الفقراء، فيلجأون إلى ما يُتاح لهم: الرشوة، الواسطة، الشبكات.

في كثير من الدول، لا يُنظر إلى الرشوة على أنها استثناء، بل كجزء من إجراءات المعاملة الرسمية.
عبارات مثل: “دبّر حالك”، “فيها شغل تحت الطاولة”، “بدك تسهّل أمورك”، تُحوّل الرشوة من جريمة إلى واجب شبه إداري. وحتى في المؤسسات الرسمية، يُلمَّح للمواطن بأنه “يلزمه شيء صغير”، أو “فنجان قهوة”، كأن الأمر طبيعي.

هذا التطبيع يُرسّخ ثقافة الفساد في السلوك والإدراك، بحيث يصبح المواطن نفسه جزءًا من الدائرة: يشتكي منها، ويُدينها، لكنه يشارك فيها مضطرًا أو ساخرًا أو متآلفًا معها.

اللافت أن كثيرًا من الناس يُدينون الفساد علنًا، لكنهم ينخرطون فيه حين يتاح لهم. هذا ما يسمّيه    David Graeber ” الأخلاق المزدوجة في المجتمعات اللاعادلة”، حيث يعيش الفرد بين خطاب مثالي يتبنّاه، وسلوك واقعي يبرّره بحجّة الظرف. مثال ذلك: موظف يُدين الفساد في الدولة، لكنه يتفاخر بأنه “أنهى المعاملة بعلاقاته”، أو صحفي يهاجم الزبائنية لكنه يحصل على مخصصات من أحد الزعماء ليثير مسائل تخدم من أعطاه تلك المخصصات. هذه الانقسامات تخلق ازدواجية أخلاقية جماعية، تُفرغ المقاومة من مضمونها.

في الختام، من منظور أنثروبولوجي، لا يُفهم الفساد فقط كمشكلة قانونية أو اقتصادية، بل كبنية يومية من التكيّف، والشرعنة، والمساومة.
الناس لا يبرّرون الفساد لأنهم يحبونه، بل لأنهم لا يجدون بديلًا عمليًا يضمن لهم حقّهم بكرامة.
وحين تتحول القيم إلى أدوات بقاء، ينكسر ميزان الأخلاق لصالح الحاجة، ويُعاد بناء “معقولية الفساد” كخيار يومي لا كجريمة استثنائية.

لمواجهة هذا الواقع، لا يكفي تجريم الفساد أو تعميم الوعظ، بل يجب مساءلة البنية التي تجعل الناس يبرّرون ما يعلمون أنه خطأ، ويعيشونه على أنه ضروري.

 

مراجع:

  1. Olivier de Sardan, J.-P. (1999). A Moral Economy of Corruption in Africa? The Journal of Modern African Studies.
  2. Graeber, D. (2012). Dead Zones of the Imagination: On Violence, Bureaucracy, and Interpretive Labor. HAU: Journal of Ethnographic Theory.
  3. Sampson, S. (2010). The Anti-Corruption Industry: From Movement to Institution. Global Crime.
  4. Gupta, A. (2005). Narratives of Corruption: Anthropological and Fictional Accounts of the Indian State. Ethnography.
  5. Torsello, D., & Venard, B. (2016). The Anthropology of Corruption. Edward Elgar Publishing.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى