المفتاح الذهبي في السعوديّة (نبيه البرجي)

الحوارنيوز – صحافة
تحت هذا العنوان كتب نبيه البرجي في صحيفة الديار يقول:
لا أحد من نواب الأمة (ومتى كنا شعباً لنكون أمة. الأمة اللبنانية؟) سأل الحكومة، والبعض بدأ يصفها بـ “الحكومة الأميركية”، “ماذا لو أن “اسرائيل” أمرت، ولها الحق بالأمر، بعدم اعادة اعمار البلدات الحدودية التي أزالتها من الوجود؟
المسألة واردة بقوة، وبالذريعة اياها، “حماية سكان الشمال “الاسرائيلي” ككائنات بشرية من الدرجة الأولى. سكان جنوب لبنان لم يكونوا، حتى في نظر الحكومات اللبنانية، أكثر من كائنات بشرية من الدرجة الثانية أو الثالثة.
لسنا في القبضة الأميركية فقط، في القبضة “الاسرائيلية” أيضاً، ما دام دونالد ترامب قد تعهد لبنيامين نتياهو بأن يجرنا عراة الى “صفقة القرن”. تردد أنه تعهد له باعادة بناء الهيكل بخشب الأرز، بعدما كان الجنرال رافاييل ايتان قد توعد ببنائه بجماجمنا، تمهيداً لظهور “الماشيح” المخلص. غريب أمر هذا المخلص، الذي لا يستسيغ السير الا على الجماجم!
لنقرأ التوراة ونلاحظ ما هو أشد هولاً بكثير. الأحرى لنقرأ ما في رأس نتنياهو، لنلاحظ ما هو أشد هولاً من التوراة (وحتى من التلمود). يفترض بنا، كما بسوريا الموضوعة الآن على المائدة ـ بالشوكة والسكين ـ دولتين منزوعتي السلاح، وعلى رؤوسنا القلنسوة “اليهودية” (الكيباه)، ما دام التلمود يقول بذلك “عسى أن تغشانا الخشية من السماء”.
الآن نأخذ بكلام حزب الله. بعد غزة لبنان. ولكن كنا نتمنى لو أن “حرب الاسناد” أخذت منحى آخر. اقتحام الجليل بطريقة اقتحام غلاف غزة، لكان المشهد انقلب رأساً على عقب، وكان هذا في رأس السيد حسن نصرالله. ولكن في فمنا ماء، الماء المرّ. أجل لبنان بعد غزة، ثم سوريا بعد لبنان، هذا ما بات جليّاً للجميع. هل أطلقت الادارة السورية الجديدة رصاصة واحدة، كلمة واحدة ضد “اسرائيل”، لتدمير كل امكانية لاعادة بناء القوة العسكرية السورية؟
على مدى يومين، لا فارق تقريباً بين استعراض نجوم ساحة النجمة ونجوم البيفرلي هيلز. هكذا اعتدنا، واعتدنا على البيانات الوزارية التي تذهب طعاماً للعناكب (نخجل القول للفئران). لكن الرئيس نواف سلام وعدنا بتنفيذ كل كلمة في البيان، لنسأل بسذاجتنا المعهودة، ما هي القوة الضاربة التي تقف وراءه ليتكلم بكل تلك الثقة، اذا عرفنا أن أركان المنظومة السياسية الذين تناهى اليهم كلام أميركي وعربي حول تصفيتهم بصورة تدريجية، يستعدون لـ”تفتيته” ما داموا يخوضون الانتخابات النيابية المقبلة بروحية البقاء أو اللابقاء…
مؤشرات تدل على أن المنطقة أمام تحولات كبرى، بقيادة مشتركة أميركية ـ “اسرائيلية” الا اذا حدثت المعجزة، وخرجت القمة العربية المزمع عقدها في مصر (4 آذار) بقررات قاطعة في وجه الرجل، الذي لا ندري أهو بشخصية الغانغستر أم بشخصية المقاول، بشخصية الكاوبوي أم بشخصية شايلوك، وحيث الاقتطاع من أرضنا ومن لحمنا.
في الادارة رجال أكثر تمثلاً للتوراة من فريق الذئاب في الدولة العبرية. لن نكون فقط أمام “اميركا المقدسة”، اسرائيل المقدسة”، بحدود جديدة وببنية ديمغرافية جديدة، اذا استعدنا ثانية قول السفير الأميركي المعين لدى “اسرائيل” مايك هاكابي، بأن التغيير في الشرق الأوسط سيكون بأبعاد توراتية. هل يعني ذلك أن الأولوية لبناء الهيكل، بمقتضياته الاستراتيجية بالنسبة لنقل الفلسطينيين، أو لتوطينهم في أرض أخرى لا لاعمار غزة، ولا لاعمار سوريا، ولا لاعمار لبنان.
اصلاح وانقاذ. بطبيعة الحال لا اصلاح ولا انقاذ من دون مال. منذ عام 1969، وربما قبله، كل ما حصل في جنوب لبنان سببه “اللادولة”. ولكن هل المشكلة فقط في اعادة اعمار الحجر دون البشر، ما دمنا نشاهد كيف يصر البعض، وبتلك الطريقة المروعة، على التأجيج السياسي والتأجيج الطائفي، دون أي اعتبار لطبيعة الاعصار الذي يهب على المنطقة، وينذر بتغيير الخرائط، بعدما تناهى الينا كلام نتنياهو حول سوريا، وما يعنيه ذلك لدول عربية أخرى.
المال مشروط بنزع سلاح حزب الله. وقد لاحظنا كيف أن الأصوات الداخلية والخارجية ارتفعت أكثر، بعد حصول ما حصل في التشييع، ودون مد اليد التي امتدت. لا حروب بعد الآن. ولكن من يقنع نتنياهو بذلك. أركان الائتلاف يقولون “ما زلنا في منتصف الطريق”. أي طريق، وماذا في النصف الآخر من الطريق، اذا كان قد بدأت “اوديسه الدم”، و”أوديسه النار” قد بدأت. بالفم الملان قالوا “لا اسرائيل دون يهودا والسامرة”. دونالد ترامب ينتظر تلك اللحظة التي يعلن فيها سيادة الدولة العبرية على الضفة.
المثير أن هذا مطلب غالبية القوى السياسية، وغالبية القوى الشعبية في “اسرائيل”. دونالد ترامب هو “مبعوث يهوه” لـ “شعب الله المختار”. هذا كلام السيناتور البارز لندسي غراهام الذي لا يعنيه موقف أي من الدول العربية، لاقتناعه بأن هذه الدول “محظيات أميركية”.
اذاً، علينا أن ننتظر ما في النصف الثاني من الطريق. هل نبقى في الثلاجة؟ أمام دونالد ترامب الكثير من القضايا الكبرى والعقبات الكبرى، ليبقى رهاننا على زيارة الرئيس جوزف عون للسعودية، التي نأمل أن يعود منها بالمفتاح الذهبي، الذي لا يفتح فقط باب الدعم أمامنا، بل يمكن أن يفتح أمامنا أبواباً أخرى للخروج من عنق الزجاجة، أو حتى من فوهة البركان.
بعد الزيارة نعرف ذا كنا سنبقى في الدوامة، أم أن العهد سينطلق. واذا انطلق، الى أين…؟!