العالم العربيسياسة

25 يناير: ثورة أم مؤامرة؟

 

د.حسين علي* – القاهرة – الحوارنيوز

إن ما وقع في الخامس والعشرين من يناير 2011 من أحداث، كان وما زال مثارًا للجدل والنقاش، وسيظل كذلك لفترة من الزمن قد تطول!! هل ما حدث في ذلك اليوم كان ثورة أم مؤامرة؟ هل كان ربيعًا أم عاصفة رعدية؟ اختلفت الآراء والتوصيفات، وقدم كل صاحب رأي من الحجج والبراهين ما يدعم صحة رأيه.
حين قامت الثورة في الخامس والعشرين من يناير وأسقطت نظام مبارك، رفع الثوار شعارات تنادي:
عيش . . حرية . . عدالة اجتماعية
استبشرت كل طوائف الشعب خيرًا، وعقدت آمالاً عريضة على تحقيق هذه الشعارات، تولى المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد ولم يحقق شيئًا مما ثار من أجله المصريون. وحين تولى الاخوان المسلمون السلطة أحسن الشعب بهم الظن، أملاً في تحقيق هذه الشعارات.
الشعب المصري كان متعاطفًا أشد التعاطف مع الاخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي بوجه عام أيام حسني مبارك وزاد تعاطف المصريين مع الاخوان المسلمين بعد ثورة 25 يناير 2011، وأعطوا ثقتهم وأصواتهم للاخوان وللتيار الديني بوجه عام، باعتبار أن أصحاب هذا التيار هم الأقرب إلى الله، وهم الذين يشعرون بمعاناة الناس وآلامهم، وهم الذين عانوا من اضطهاد نظام مبارك – والنظم السابقة عليه – وعندما ترشح الدكتور محمد مرسي للانتخابات الرئاسية أعطى المصريون أصواتهم له، ففاز الاخوان في الانتخابات.
بعد ذلك اتخذ المصريون موقفًا رافضًا ومناهضًا للاخوان ولأصحاب تيار الإسلام السياسي بوجه عام، بسبب ما تكشف من ممارسات سياسية فيها فظاظة وغلظة (أحداث العنف أمام قصر الاتحادية، وأمام المقر الرئيسي للاخوان بالمقطم، والتهديد والوعيد – في استاد القاهرة وتجمع الشريعة والشرعية في النهضة ورابعة – بحرق مصر والإطاحة برؤوس المعارضين وإسالة الدماء أنهارًا في كل ربوع مصر) كل هذه الممارسات وغيرها كالإعلان الدستوري الذي أعلنه الدكتور محمد مرسي، جعلت المصريين يتخذون موقفًا رافضًا ومناهضًا للاخوان ولأصحاب تيار الإسلام السياسي بوجه عام.
أما القول بأن الإعلام الفاسد كان هو المحرض ضد الاخوان المسلمين في فترة حكم الدكتور محمد مرسي؛ فإنه للرد على هذا القول نتساءل: ألم يكن الإعلام طوال أكثر من 30 سنة (فترة حكم مبارك) فاسدًا ؟! ألم يكن ذلك الإعلام يتعامل مع جماعة الاخوان بوصفها جماعة محظورة، بل إن الوجوه الإعلامية الموجودة في الإعلام الرسمي أيام حكم الدكتور محمد مرسي كانت هى الوجوه الإعلامية ذاتها الموجودة أيام حكم محمد حسني مبارك، لكن الفرق الجوهري أن المصريين أيام مبارك كانوا متعاطفين مع الإسلاميين؛ أما بعد أن اكتوى المصريون بنار الإسلاميين، فإن أغلب المصريين أصبحوا يرفضون الاخوان والتيار الإسلامي بوجه عام.
وحين فشل الاخوان في تحقيق طموحات الشعب المصري، سقط نظام حكم الاخوان في 30 يونيه 2013، كما سقط نظام مبارك قبله في 25 يناير 2011. المهم أنه لم يتحقق شيئًا من شعارات ثورة 25 يناير حتى الآن على الأقل.
هل كانت 25 يناير مؤامرة؟
البعض يرى ذلك، ويؤكد أن قدوم الدكتور محمد البرادعي إلى مصر كان بداية المؤامرة، وأن ما جرى في مصر وسائر أقطار المنطقة، تونس وليبيا وسوريا واليمن، لم يكن ثورات، بل مؤامرة أمريكية ضد دول المنطقة لتمزيقها إلى دويلات صغيرة، من أجل تحقيق مصالح الغرب، وإقامة إسرائيل الكبرى في المنطقة. ويقدم أصحاب نظرية المؤامرة كثيرًا من الشواهد والدلائل لتأكيد صحة نظريتهم.
في المقابل هناك من ينتقد وجهة النظر التي تزعم أن 25 يناير كانت مؤامرة، ويؤكد أصحاب هذا الرأي الرافض لنظرية المؤامرة أن 25 يناير كانت ثورة حقيقية، قام بها الشعب المصري لإسقاط أبشع طاغية، وأن هذه ثورة لم ير تاريخ البشرية مثيلاً لها، كمًا وكيفًا، خرجت جموع الشعب من كل حدب وصوب، من المدن والكفور والنجوع، تتدفق إلي الحارات والشوارع كالسيل الجارف، تتجه بقوة كالطوفان نحو الميادين، لا يقف في طريقها شيء، تهدر بالهتافات، وتصدح بالأناشيد الوطنية والحماسية، لم يحدث تمييز بين مسلم ومسيحي إلا حين ارتفعت هتافات في ميدان التحرير تقول: «إسلامية .. إسلامية» هنا اضطرب الأمر، واختلط الحابل بالنابل، ولم نعد نعرف من مع من؟ .. ومن ضد من؟
إن التوصيف الدقيق لما جرى لثورة 25 يناير: إنها «ثورة بلا رأس» أى ثورة بلا قائد، فإذا كان الإمام الخميني هو الذي قاد الثورة الإسلامية في إيران، فإن ما حدث يوم 25 يناير 2011 لم يكن وراءه قائد أو مجموعة من القادة، لقد قام الشعب قومة رجل واحد ضد الظالم. إنها أشبه بـ«ثورة العبيد». إن هذا الوصف لا ينتقص من قدر من قاموا بها، ولا يقلل من عظمة انجازهم، بل على العكس، إن هذا التوصيف يلقي الضوء على السبب في أن البعض يتشكك في وصف ما حدث بأنه ثورة، غياب قيادة للثورة، ساهم في سهولة السطو عليها من قِبَل التيار الإسلامي مثلاً، وبالتالي، ذهب البعض إلى حد وصف الثورة بأنها مؤامرة، وإذا كانت مؤامرة، فهل اشترك ملايين الشعب المصري في هذه المؤامرة بخروجهم إلى الميادين للمطالبة بـ«سقوط النظام»؟ وإذا كنا سننفي عن ملايين المصريين تهمة الاشتراك في مؤامرة 25 يناير، فهل يحق لنا أن نتهم تلك الحشود الضخمة التي ملأت الميادين، والتي تُقًدًر بمئات الآلاف- بل بالملايين-بأنها كانت ساذجة وغبية وشريكة في مؤامرة ضد الوطن؟ ولم تنتبه إلي أبعاد المؤامرة الأمريكية التي كانت تُدَبَر ضد بلادهم؟ وإذا كانت كل هذه الحشود غبية وساذجة ومشاركة في مؤامرة؛ فهل كانت القوات المسلحة ممثلة في المجلس العسكري والذي أدى التحية العسكرية لشهداء ثورة 25 يناير مشاركة في المؤامرة؟
أعتقد إنه من العسير إن لم يكن من المستحيل إصدار حكم نهائي يتصف بالدقة والإحكام على حقيقة ما جرى في 25 يناير 2011، نظرا لأننا عايشنا هذه الأحداث وانفعلنا بها، وأثرت فينا سلبًا أو إيجابًا، نحن شهود على الأحداث، يحق لنا تسجيل شهاداتنا عنها للتاريخ، أما أن نصدر أحكامًا تاريخية كاملة وشاملة تنطوي على تقييم شامل لما جرى، فأظن أن هذا ليس في وسع من عاش قريبًا من الحدث أو لصيقًا به. لابد من مرور فترة زمنية كافية تتيح لنا رؤية الحدث من كل جوانبه، وحتى ينكشف الستار عن الأسرار المتعلقة بالحدث، والتي ربما كانت مخبأة.
في اعتقادي، إن رؤية الحدث التاريخي أشبه برؤية اللوحة الفنية، فنحن حين نقترب من اللوحة بشدة حتى يلتصق وجهنا بها، لن نرى منها شيئًا، ولكي نراها بوضوح، ونتفحص معالمها، لابد من أن وجود مسافة بيننا وبينها. وكذلك علينا أن نفعل لرؤية الأحداث التاريخية بوضوح. في وسع أي واحد منا أن يحكم الآن علي التجربة الناصرية بكل حرية، ويطلق أحكامًا دقيقة – إيجابية كانت أو سلبية – دون أن يخشى القبض عليه، والزج به في دهاليز المعتقالات، لأن عبد الناصر الآن في ذمة التاريخ، وانتهت التجربة الناصرية بما لها وما عليها. لكن هل في وسعنا الآن مثلا أن نقيم تجربة الرئيس السيسي في الحكم؟! لا أظن ذلك، لأن التجربة لم تكتمل بعد، ولأننا نعاصر الأحداث، ونلتصق بها، وننفعل تأييدًا أو معارضةً، ومن ثمَّ لن تأتي أحكامنا دقيقة وموضوعية، فضلاً عن أنه ليس مسموحًا – في ما أعتقد – إلا بتمرير الآراء المؤيدة فقط. أضف إلى ذلك أننا لا نعلم إلا النذر القليل من حقيقة ما يجري خلف الكواليس، ولا نستشار في ما يتم إتخاذه من قرارات، فما يظهر لنا هو الجزء الذي يطفو على سطح الماء من جبل الجليد، وهو قليل الحجم إذا ما تمت مقارنته بالجزء الغاطس والمخفي!!
لكل ما سبق، نعود ونؤكد إنه من العسير، إن لم يكن من المستحيل إصدار حكم نهائي وشامل، يتصف بالدقة والإحكام على حقيقة ما جرى من أحداث نعاصرها ونعايشها.

*أستاذ المنطق وفلسفة العلوم في كلية الآداب – جامعة عين شمس. جمهورية مصر العربية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى