21 تشرين الثاني 1974 : خطاب للإمام الصدر سبق زمانه بخمسين عاما

الحوارنيوز – محليات
بتاريخ 21 تشرين الثاني 1974 ألقى الإمام السيد موسى الصدر خطابًا في كلية بيروت الجامعية بمناسبة عيد الاستقلال، أطلق فيه تحذيرًا شديد اللهجة، معربًا عن قلقه أن يدفع لبنان ثمن الصراع العربي-الإسرائيلي، وينتهي به المطاف مشردًا بسبب ضعف الدولة. وانتقد بشدة هشاشة الاستقلال وطالب بتحرير فكري واقتصادي شامل، ودعا إلى إلغاء المفهوم السياسي للطائفية وبناء دولة قوية وعادلة قادرة على حماية كرامة وسلامة أراضيها.
“الحوارنيوز” تعيد نشر هذا الخطاب للإستذكار:
النص كاملًا
أخشى أن ينتهي الصراع بين الدول العربية وإسرائيل على حساب لبنان، وأن يدفع لبنان بالتالي ثمن هذا الصراع، وأن يصبح الشعب اللبناني مشردًا كما حصل للشعب الفلسطيني الشقيق.
إن إسرائيل وبعد هزيمتها في حرب تشرين والانتصار الساحق الذي حققته المقاومة الفلسطينية أخيرًا على الصعيد السياسي، باتت تفكر في رفع معنوياتها وتنفيذ مخططاتها التوسعية في لبنان، فبدأت تعمد إلى ضرب الأراضي الجنوبية والانتقام من لبنان بعد أن أصبحت عاجزة عن ضرب سورية ومصر، فلبنان لا جيش له وحدوده مباحة.
إن مشروع الليطاني بحاجة إلى زمن طويل ليُنفَّذ ليس إلا لأنه في جنوب لبنان، بينما مشاريع الري والسدود تنفذ في الشمال خلال سنوات معدودة.
إن الاستقلال بمفهومه الحقيقي لا يعني خروج الجندي المستعمر من البلد وتحرره من سيطرة الجيوش الأجنبية، بل يعني التحرر الثقافي والسياسي والاقتصادي والفكري. وإذا ما تحرر البلد من الضغط الخارجي ووضعنا له في الداخل وسائل الضغط تبقى الحرية مضغوط عليها، فالاستعمار الفكري والثقافي هما من أخطر أنواع الاستعمار.
إن الاستقلال السياسي الذي ناله لبنان منذ 30 عامًا كان شرفًا كبيرًا إلا أن الثمن الذي دُفِعَ من أجله كان بسيطًا ولا يذكر نظرًا إلى ذكاء أولئك الذين حملوا راية الاستقلال فعرفوا كيف يستفيدون وقتها من الظروف الدولية فحصلوا على استقلال سهل على الرغم من المعارك التي قادها رجاله المخلصون. إلا أن هذا النوع من الاستقلال أو هذه الطريقة التي تمت في الحصول عليه جاءت وبالًا على هذا البلد فلم يتمسك لبنان باستقلاله لفقدان الحرارة المطلوبة لصيانته.
إن جنوب لبنان محتل والشعب هناك لا يعرف موعد العدوان ونوعه الذي تشنه إسرائيل يوميًّا وعلى الرغم من أن الدولة لا تفعل شيئًا لحمايته، فإن صفارات الإنذار لا تطلق عند وقوع كل اعتداء بينما تزعجنا هنا في بيروت أسبوعيًّا مع موعد تجربتها.
النظام الطائفي الذي قدس أناسًا ليسوا قديسين وحال دون توظيف الكفايات وأصبح لبنان في ظله لا دفاع، لا أمن ولا مستقبل. ما ذنب الجنوبي ليدفع ثمن التوازن الطائفي؟
لا ملاجئ في الجنوب ولا حماية ولا كرامة… فالطائرات الإسرائيلية تخرق حرمة سمائه، والزوارق تنتهك حرمة مياهه، والدوريات تقوم بتفتيش المواطنين وضربهم والاعتداء على كرامتهم… إن الكرامة فقدت في الجنوب وأرضه محتلة. فما معنى الاستقلال الذي نحتفل به! أي استقلال يمكن أن يكون والمدارس خالية من الطلاب في الجنوب لا لمناسبة الاستقلال وإنما خوفًا من احتلال إسرائيلي مرتقب…
أي استقلال هذا والتعتيم في بيروت غدًا (اليوم) فرحته، والخوف في الجنوب نوره.
المشاريع الإنمائية في الجنوب لا تُنفَّذ، فمشروع الليطاني لم توضع له حتى الآن الدراسات التنفيذية… بينما أعرف أن مشروع سد في الشمال وضع منذ 3 سنوات فقط أعدت له اليوم الدراسات اللازمة ووضعت له الخرائط وشكلت لجنة فنية للإشراف على تنفيذه… فأين العدالة الاجتماعية التي يتحدثون عنها! كما أن الاستقلال يعني رفض الطغيان والتسلط والذل إلا أننا نعيش اليوم الاستعمار من الداخل. ألا يكفي 30 عامًا من عمر الاستقلال للبدء خطوة في الطريق القويم… وأن نملك جيشًا قويًّا قادرًا على صيانة أراضينا وحفظ كرامتنا.
يجب إلغاء المفهوم السياسي للطائفية في وضعه الراهن، ويجب بناء الدولة العلمانية لا الملحدة من أجل بناء لبنان الأفضل، لبنان المستقل فكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا في جميع أفكاره.
وأدعو الطالبات إلى المحافظة على أصالتهن ورفض التقاليد لأنه لا يجوز أن ننحني للحضارة الأوروبية، ونستسلم لسيطرتها الفكرية فنفقد تراثنا. كذلك لا يجوز أن تخدعنا ديكورات الشرق وطوابعه.
أخشى أن يدفع لبنان ثمن الصراع بين الدول الكبرى والدول العربية وإسرائيل، فنصبح لاجئين مشردين كإخواننا الفلسطينيين.
لذا أطالب بالعمل الجدي والضغط على المسؤولين وزيارة الجنوب ليلة واحدة لأن الوطن يحتاج إلى تماسك كامل


