رأيغير مصنف

استلهام قيم الاستقلال من معانيه ومدلولاته(د.عادل مشموشي)

 

بقلم الدكتور العميد عادل مشموشي

 

استِذكارُ الاستِقلالِ والاحتِفالِ به حاجَةً وَطنِيَّةَ مُلِحَّةٌ لاستِنهاضِ الشُّعورِ الوَطَني لدى عُمومِ المواطِنين. واستِذكارُ استِقلالِ لبنان كدولةٍ مُستقلَّةٍ ذاتُ سِيَادَةٍ كامِلَةٍ في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني من كل سنة له رَمزيَّتُهُ ومَدلولاتُه. لذا يَنبغي ألَّا يَقتَصِرَ  فهمُ هذه المناسَبَةِ على أنَّها مُجرَّدَ احتِفالاتٍ شَكلِيَّةٍ تَقومُ على نَشرِ الزِّينَةِ على الدُّورِ الرَّسمِيَّةِ وفي السَّاحاتِ العامَّة، وإقامَةِ الاحتِفالاتِ بدءاً بالعُروضِ العَسكريَّة وحَفلاتِ الاستقبالِ الرَّسميَّةِ وغيرِ الرَّسمِيَّةِ، ورَفعِ الأعلام الوَطَنِيَّة، وتَبادُلِ التَّهاني والتَّبريكاتِ وإطلاقِ الشِّعاراتِ الوَطَنِيَّة الخ… بل ينبغي أن يَرتَكِزَ استِذكارُ الاستِقلالِ أولاً على فَهمِ مَعاني الاستِقلالِ والتَّفكُّرِ في مَدلولاتِهِ واستِلهامِ قِيَمِهِ والالتِزامِ بها على كافَّةِ المُستوياتِ الرَّسمِيَّةِ والشَّعبِيَّة، وثانياً على ترسيخُ قيمِ المُواطَنَة الحقيقيَّة. 

تتمثَّلُ مَعاني الاستِقلالِ في جُملَةٍ من الأُمورِ الأساسِيَّةِ التي تَدُلُّ على تَحرُّرِ الدَّولةِ من جَميع أشكالِ التَّبَعِيَّةِ أو التأثيراتِ الخارِجِيَّةِ على نَحوٍ يُمكِّنُها من تدبيرِ شُؤونِها الذاتِيَّةِ وتَقريرِ سياساتِها الخارِجيَّةِ بملءِ إرادَتِها بَعيداً عن أيَّةِ إملاءاتٍ خارِجِيَّةٍ، ووَفقاً لقناعاتِها الدَّاخِلِيَّةِ وأهدافِها ومَصالِحِها الوَطنِيَّةِ والمَبادئ التي قامَت عليها.

والدَّولةُ الحُرَّةُ باعتِبارِها كِياناً دَوليٍّاً مَعنويّاً مُستَقِلاَّ ينبغي أن تَتَمَتَّعَ كَغَيرِها من الدُّولِ باستِقلالِيَّةٍ تامَّةٍ في تَدبيرِ شُؤونِها، والتَّعاونِ على قَدرٍ من المُساواةِ مع باقي الدُّولِ في كُلِّ ما له عَلاقَةٍ بالتَّعاونِ الدَّولي في إطارِ خِدمَةِ البَشرِيَّةَ وتَحقيقِ الرَّفاهِ لبَني البَشَر، مع كفالَةِ احتِرامِ خُصوصِيَّةِ كُلِّ دولَةٍ ومَصالِحِها، شَرطَ عَدَمِ الإضرارِ بمَصالِحِ الدُّولِ الأخرى.

الدَّولةُ صاحِبَةُ السِّيادَةِ وَفقَ المَفهومِ المُعاصِرٍ تقومُ على أركان ثلاثة (الإقليمُ، الشَّعب، السُّلطَة السِّياسِيَّة)؛ ويُستَشَفُّ من ذلك أن الدَّولةَ المُستقلَّةَ تتمتَّعُ بشخصِيَّةٍ قانونِيَّةٍ اعتِبارِيَّةٍ، تُمثِّلُها سُلطَةٌ سِياسِيَّةٍ شَرعِيَّةٍ مُخولةٌ حَصرَاً دون غيرِها في إدارةِ وتَدبيرَ شُؤونِ الدَّولةِ داخِلِيَّاً وتمثِّيلِها والنُّطقِ باسمِها خارِجِيًّاً. أمَّا على المُستوى الدَّاخِلي فيَنبغي أن ينطَوي قِيامُ الدَّولةِ على وجودِ مَصلَحَةِ عليا جامِعَةٍ لجَميعِ أبناءِ الوَطَن، وأن يَكون بقاؤها بمَثابَةِ مُرتَجىً سامِيَاً لجَميعِ المُواطِنين، يَنبَعُ من انتمائهِم الوَطَني، وولائهِم الخالِصُ للوَطنِ والذي يَنبَعُ من شُعورِ المُواطُنِ أنه يَعيشُ في كُنهِ وَطَنٍ حُرٍّ مُستَقِلٍّ فِعلاً لا قَولاً، وَطَنٌ يُوفِّرٌ له حياةً حُرَّةً شَريفَةً، وكُلَّ مًستلزَماتِ العَيشِ الكَريم.

تُملي الاعتِباراتُ المُنوَّهُ عنها عِندَ استذكارِ الاستِقلالِ التَّفكيرَ بمَدى تَوَفُّرِ ومُراعاةِ الاعتِباراتِ المُنوَّهِ عَنها أعلاه، وكيفَ السَّبيلُ إلى الحِفاظِ عليها. وعليه، يَنبغي أن تُقيَّمَ سِيادَةُ الدَّولةِ من مِنظارَينِ مُتكامِلين؛ الأولُ خارِجي والثاني داخِلي. يَتمَثَّلُ التَّقييمُ الخارِجيُّ في الوقوفِ على مَدى قِيامِ علاقاتِ الدَّولَةِ مع الدُّولِ الأُخرى استِناداً لمَبدأ الاحتِرامِ المُتبادَل، ووَفقَ نُظُمِها الدَّاخِلِيَّة، ومن منطلقِ حُرِّيتِها في إدارَةِ شُؤونِها الدَّاخليَّةِ والخارِجِيَّة، وعَدَمِ خُضوعِها لأيَّةِ إملاءاتٍ من أيَّةِ جِهَةٍ خارِجِيَّةٍ سَواء كانت دولةً أجنبيَّةً أو هَيئةً دولِيَّةً أو إقليميَّة، هذا بالإضافَةِ إلى ترسيخِ مَبدأ المُساواةِ بالحُقوقِ والوجِباتِ بين جَميعِ الدُّولِ صَاحِبَة السِّيادَة. أمَّا التقييمُ الدَّاخليُّ فيتَمَثَّلُ في بَسطِ سُلطانِ الدَّولَةِ على كامِلِ إقليمِها، وفَرضِ مَشيئتِها  على جَميعِ رَعاياها والمُقيمين في إقليمِها وتطبيقِ أنظِمتِها عليهِم جَميعاً دون استِثناء، من هنا وُجِبَ أن تكونَ سُلطَةُ الدَّولَةِ على سُكَّانِها سامِيَةً وشامِلَة، وألَّا تَعلو عليها أيَّةُ قِوى داخِلِيَّةٌ أُخرى لا تَتمتَّعُ بشَرعِيَّةٍ دُستوريَّةٍ  أو تنافِسُها في سُلطانِها أو تَفَرِضُ عليها مَشيئتها.

بالاضافةِ إلى تَكريسِ سِيادَةِ الدَّولةِ ينبغي ألاَّ نُغفِلَ في استِذكارِنا للإستِقلالِ مدى احتِرامِ سُلُطاتِ الدَّولةِ لمَبادِئِ المُواطَنَةِ الحِقَّةِ وترسيخِ قيَمِها، وتَرمُزُ المُواطَنَةُ للعلاقَةِ التي تَحكُمُ العلاقَةَ ما بين الدَّولَةِ والمُواطِنِ الفَرد، بما تتضمَّنَهُ تلك العلاقَةُ من واجِباتٍ وحُقوقٍ مُتبادَلَةٍ، وَفقَ ما تَنُصُّ عليه النُّصوصِ القانونِيَّةِ النَّافِذَةُ في الدَّولةِ والتي تُعبِّرُ عن المُسلَّماتِ التي تلاقَت إراداتُ المُواطِنين عليها.

والمُواطَنَةُ الحَقيقِيَّةُ تقومُ على مَبدأين أساسيين:

ـ الأولُ: ويتَمَثَّلُ في تَكريسِ المُساواةِ بين المواطِنينَ بما يَكفلُ تَكافؤ الفُرَصِ في اكتِسابِ الحُقوقِ وأداءِ الوَجِباتِ بين جَميعِ الأفرادِ بغَضِّ النَّظَرِ عن العِرقِ أو اللَّونِ أو التَّوجُّهِ الدِّيني الخ… 

ـ الثاني: ويَتَمَثَّلُ في ضَمانِ المُشارَكَةِ الحَقيقِيَّةِ في الحياةِ العامَّةِ،  بما يَكفَلُ للمواطِنينَ، وعلى قَدرِ المُساواةِ، المُشارَكَةَ الفاعِلَةَ في الحَياةِ المَدَنِيَّة بما في ذلك مُمارَسَةُ النَّشاطاتِ السِّياسِيَّة، من خلالِ اعتِمادِ مَعاييرَ مُتجرِّدَةً تَكفَلُ تَساوي الفُرَصَ في التَّرشُّحِ للمناصِبِ وتَولي الوَظائفِ في الدَّولَةِ، كما في المُشارَكَةِ في عَمليَّاتِ الإقتِراع، كُلُّ ذلك في إطارِ تَوفيرِ كامِلِ الحُرِّيَّةِ لهم في مُمارَسَةِ حُقوقِهِم الجَماعِيَّة التي كَفِلَها الدُّستورُ ووَفقَ ما تَنُصُّ عليه القوانينُ المَرعِيَّةً الإجراء.

إن تَكريسَ مفاهيمِ المُواطَنَةِ الحَقِيقِيَّةِ، يُشكِّلُ ضَمانةً للأفرادِ في صَونِ حُقوقِهِم  كمُواطنينَ، ويُعزِّزُ انتماءَهُم الوَطني وشُعورَهُم العاطِفي تِجاهَ وَطَنِهم “أرضاً وشَعباً ومؤسَّسات”. كما يؤدي شُيوعُ  روحِ الانتِماءِ للوطنِ لدى عُمومِ المُواطِنينَ إلى تعزيزِ العلاقاتِ بين الأفرادِ في المُجتَمَعِ، وإعلاءِ الوَحدَةِ الوَطَنِيّةِ لديهِم بحيثُ تجعَلُ منها هَدَفاً سامِيَاً، يَعمَلُ الجَميعُ على إرسائها على أرضِ الواقِع والمُحافَظَةِ على استِمرارِيَّتِها، باعتِبارِها عامِلاً جامِعاً مُوحِّداً، تَتَرَسَّخُ من خِلالِهِ الوِحدَةُ الوَطَنِيَّةُ التي بدَورها تُعزِّزُ ثِقَةَ الأفرادِ بوطَنِهِم،  وتُحفَظُ للمُجتمَعِ أمنهُ ورَخاءَه. 

كما يُسهِمُ تنامي الشُّعورِ بالانتِماءِ للوطنِ في صَقلِ تَوجُّهاتِ المُواطِنِين بحيث تُحوَّلُها إلى توجُّهاتٍ عامَّةٍ بعيداً عن المُيولِ الفِئويَّةِ والشَّخصِيَّة، تَحِثُّهُم على الُمُشارَكَةِ في الحياةِ العامَّةِ بما في ذلك العَمَلُ التَّطوعي. كما تولِّدُ لديهم شُعوراً عارِماً بقيمَتِهِم الحَياتِيّةِ والاجتِماعِيَّةِ كأفرادَ مُتفاعلين مُؤثرين ومُتأثرين، والتي تنمى لديهم شيئاً فشيئاً مع الأيام وتَدفَعُ بهِم للانخِراطِ طَوعَاً في خِدمَةِ الوَطَنِ والمُجتَمَعِ والتَّفاني في العَطاءِ إلى حدِّ التَّضحيَةِ من أجلِه؛ وهذا يُجسِّدُ لديهِم شُعوراً بالوَلاءِ للوَطَن.

يُجَسِّدُ الشُّعورُ بالوَلاءِ للوَطَنِ الرَّابِطَةَ العاطِفِيَّةَ التي تَجمَعُ ما بين الوَطَنَ والمُواطِن، عَلاقةً تَسمو على أيَّةِ عَلاقَةِ انتِماءٍ أُخرى، سواء كانت لِجِهَةٍ خارِجِيَّةٍ أو داخِلِيَّةٍ (طائفيَّة، مَذهبِيَّة، قبليَّة أو حزبيَّة)، ولا يُحكُمُها سِوى الخُضوعُ إلى سِيادَةِ القانون.  شُعورٌ ينبَعُ من القلبِ يُترجَمُ بمَجموعَةٍ من السُّلوكِيَّاتِ الإيجابِيَّةِ الخَيِّرَةِ من شأنِها أن تُعَظِّمَ مَعاني المواطنًةِ، وقِيَمِها النَّبيلَة، وهذا يأتي كترجَمَةٍ لِصدقِ التَّعبيرِ عن مَشاعِرِ الانتِماءِ قولاً وفِعلاً. 

 

ونَخلُصُ من عَرضِنا لمَشاعِرِ الانتِماءِ والوَلاءِ للوَطَنِ وتَجَسُّدِها عَملِيَّاً بالتَّفاني في العَطاءِ إلى حَدِّ التَّضحِيَةِ من أجلِهِ، لنَستخلِصَ بمَفهومِ المُخالَفَةِ ما يلي: 

أنه ليسَ من الوَلاءِ للوَطَنِ العَبَثُ بأمنِهِ واستِقرارِهِ، ولا إثارَةُ الفِتَنِ والنَّعَراتِ الطَّائفيَّةِ أو المَذهَبِيَّةِ بين مُكوِّناتِه، ولا تَبديدُ ثَرَواتِهِ الطَّبيعِيَّةِ، ولا نَهبُ خَيراتِهِ، ولا تَقويضُ مَكانتِه العَرَبِيَّة، ولا تَشويهِ سِمعَتِه الدَّوليَّة، ولا تَخريبُ عَلاقَتِهِ بأشقائهِ العَرَبِ، ولا عَزلُهُ دَوليَّا، ولا تَشتيتُ أبنائه في أسقاعِ الأرض، ولا استِقواءُ مُكوِّنٍ على باقي المُكوِّناتِ الوَطنِيَّة، ولا الاحتِكامُ إلى السِّلاحِ أو التَّهديدُ باستِعمالِه لفرضِ فئةٍ مشيئتها على باقي المكوناتِ الوطنيَّة الخ….

إن الإنتماءَ والولاءَ الحَقيقيين للوَطَنِ يُمليانِ على الجَميعِ وبخاصَّةٍ أولئكَ المَسؤولين الاحتِكامَ إلى الضَّميرِ أولاً، وإعلاءِ المَصلَحَةِ الوَطَنِيَّةِ وجَعلِها فَوقَ أيَّةِ اعتِباراتٍ خارِجِيَّةٍ أو داخِلِيَّةِ سَواءَ كانت فِئوِيَّةٍ أو شَخصِيَّة. ومن ثمَّ يوجِبانِ على كُلِّ من ساهَمَ عن قَصدٍ أم عن غيرِ قَصدٍ بأدائهِ في دَفعِ البلدِ إلى هذا المُنزَلَقِ الخَطِرِ في شتَّى المَجالاتِ سِياسِيَّاً واقتِصادِيَّاً ومالِيَّاً واجتِماعِيَّاً… سواء بأدائهم السِّياسي، أو بإساءةِ استِعمالِ الصَّلاحِيَّاتِ التي أُنيطَت بهم بحُكمِ مَناصِبِهِم السِّياسِيَّةِ أو مَراكِزِهِهِم الوَظيفيَّة، أو في مَعرَضِ تعاطيهم في الشأن العام، أو المقاولاتِ والمناقصاتِ العامَّة… إلى التَّنحي طَوعاً عن مناصِبِهم، واعتِزالِ العَملِ السِّياسي تَعبيراً عن شُعورِهِم بتَحَمُّلِ المَسؤولِيَّةِ أخلاقيَّاً عمَّا أوصَلوا البلدَ إليه، وما ألحقوا بالمُواطنينَ من مُعاناة وإذلال. كما ندعوا أولئك الذين عَمَدوا إلى تَحويلِ ثَرواتِهِم التي جَمعوها من لبنان وعرقِ اللبنانيينَ إلى الخارجِ إلى إعادَتِها فَوراً، لأنَّهُم بتَحويلِهِم لها على حِينِ غَرَّةٍ في ظِلِّ مَرحَلَةٍ حَرِجَةٍ وعصيبة قد تَسببوا بأزمةٍ ماليَّةٍ خانقة، تُنذرُ بأزَماتٍ اجتِماعيَّةٍ ومَعيشيَّةٍ لم يَسبُق للبنانَ أن شَهِدَ مَثيلاً لها مُنذُ نشأتِه، ولن يستطع المواطنون تحمُّلَ وِزرِها.  

ونختُمُ بالتَّرحُمِ على أرواحِ شُهدائنا الأبرارِ، وأرواحِ أولئك الذين شارَكوا في النِّضالَ من أجلِ استقلالِ وطننا لبنان، لأنها تبقى من أسمى المَشاعِرِ التي تُرِاودُنا في ذِكرى الاستِقلالِ.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى