
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
تنطلق الصورة من جنيف، حيث تدور المفاوضات بين واشنطن وطهران تحت سقف عالٍ من التوتر السياسي والعسكري. في الشكل تبدو الجلسات جدية، وفي المضمون تصطدم بسقفَين متوازيَين يصعب التوفيق بينهما. إيران تدخل التفاوض من موقع تثبيت الحقوق لا من موقع طلب تسوية بأي ثمن. خطوطها الحمراء واضحة: لا صفر تخصيب، لا نقاش في البرنامج الصاروخي، لا بحث في الدور الإقليمي، والاتفاق حصرا مقابل رفع فعلي للعقوبات لا تجميدها أو تعليقها. تبدي مرونة تقنية في خفض نسبة التخصيب إلى 3,7 بالمئة وربما أدنى، وتقبل بإمكان نقل جزء من اليورانيوم العالي التخصيب إلى دولة ثالثة، بما يعيد إنتاج مناخ اتفاق 2015 مع تعديلات تتصل بطبيعة الاستثمارات.
في المقابل، تطرح الولايات المتحدة مقاربة مختلفة جذريا. العنوان المعلن هو منع امتلاك سلاح نووي، لكن الشروط المتداولة تتجاوز ذلك إلى تصفير المخزون العالي التخصيب، تفكيك منشآت أصفهان ونطنز وفوردو، ونقل المواد إلى الخارج، مع تجميد جزئي للعقوبات وربط رفعها الكامل بتنفيذ البنود. الفارق هنا ليس تقنيا فحسب، بل سياسي يتعلق بطبيعة الاتفاق نفسه: هل هو تسوية متبادلة، أم صيغة تفرض تراجعا استراتيجيا على طهران تحت عنوان الضمانات.
غير أن التفاوض لا يجري في فراغ. خلف الطاولة يقف سؤال عسكري يقلق البنتاغون قبل غيره: هل تستطيع واشنطن خوض مواجهة مفتوحة من دون أن تدفع ثمنا استراتيجيا غير مسبوق. التفوق العسكري الأميركي تقليديا واضح، سواء في سلاح الجو أو البحرية أو شبكات القواعد المنتشرة في المنطقة. لكن طبيعة الحرب المحتملة تغيرت جذريا. إيران، بحسب ما يتداول في تقارير عسكرية غربية، عززت ترسانتها بصواريخ فرط صوتية تصل سرعتها إلى 16 ماخ، أي ما يختصر زمن الوصول إلى دقائق معدودة، ويجعل أنظمة الإنذار والدفاع أمام تحدي الزمن لا فقط أمام تحدي الدقة.
إلى جانب ذلك، طورت طهران منظوماتها الدفاعية واعتمدت على منصات إطلاق متحركة وأنفاق عميقة داخل سلاسل جبلية واسعة، ما يصعّب استهدافها بضربات جوية تقليدية. الحديث هنا لا يدور فقط عن عدد الصواريخ، بل عن فلسفة انتشار تقوم على اللامركزية والجاهزية السريعة، مدعومة بكميات كبيرة من الوقود الصلب الذي يقلّص زمن التحضير للإطلاق.
العامل الأكثر حساسية يتمثل في البعد التكنولوجي. تشير تقديرات إلى اعتماد إيران على منظومة “بيدو” الصينية للملاحة عبر الأقمار الصناعية بدلا من نظام “جي بي إس” الخاضع لواشنطن، ما يمنحها استقلالية في الإحداثيات ويقلّص هامش الضغط الإلكتروني الأميركي. في موازاة ذلك، يجري الحديث عن رادارات حديثة قادرة على كشف الطائرات الشبحية، ما يهدد أحد أعمدة التفوق الجوي الأميركي. وإذا أضيف إلى ذلك وجود سفن استطلاع قرب مضيق هرمز تراقب الحركة البحرية بدقة، يصبح عنصر المفاجأة أكثر تعقيدا.
هذا الواقع يطرح معادلة مختلفة: أي ضربة استباقية قد تقابل برد شبه متزامن، خصوصا إذا امتلكت إيران قدرة إطلاق فوري لصواريخها فور رصد التحرك الأميركي. هنا يفقد مفهوم الضربة الخاطفة الكثير من بريقه، وتتحول الحرب إلى تبادل مكثف خلال ساعاتها الأولى، مع مخاطر كبيرة على حاملات الطائرات والقواعد المتقدمة.
إلى جانب البعد العسكري، تملك طهران ورقة اقتصادية عالمية تتمثل في مضيق هرمز. إغلاق الممر أو حتى تهديد الملاحة فيه قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ما يضع أوروبا واليابان تحت ضغط حاد، فيما تبقى الصين أقل تأثرا بفعل تنوع إمداداتها وعلاقاتها مع روسيا. هذه المعادلة تجعل الحرب، إن وقعت، حدثا يتجاوز حدود الإقليم ليطال الاقتصاد العالمي مباشرة.
في العمق، يبقى السؤال النووي الأكثر حساسية. إيران تمتلك المعرفة التقنية والمواد المخصبة بمستويات عالية، ما يضعها على عتبة القدرة النووية، وإن كانت تنفي رسميا نية امتلاك سلاح. لكن في حال تعرض النظام لتهديد وجودي، قد يتغير الحساب السياسي، وتتحول فرضية “الخيار النووي” من ورقة ردع إلى قرار استراتيجي.
كل ذلك يفسر حالة التردد الأميركي. واشنطن تدرك أنها قادرة على إلحاق أضرار واسعة بإيران، لكنها تدرك أيضا أن الرد لن يكون رمزيا، وأن أي مواجهة قد تكسر صورة الهيمنة العسكرية التي راكمتها لعقود. لذلك تبدو المنطقة عالقة بين تفاوض شاق وحافة تصعيد خطير. الاتفاق ما يزال ممكنا، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة يصعب تسويقها داخليا. والحرب، رغم التهديدات، تبقى خيارا مكلفا قد يحول أي انتصار عسكري إلى خسارة سياسية واستراتيجية طويلة الأمد.



