هل صحيح أن سوريا ارتمت في الحضن الأميركي الصهيوني؟ (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

يُحكى أن رجلاً صالحاً كان يعيش في إحدى البلاد، وفي ليلة من الليالي، داهم بيتَه حرس السلطان واقتادوه مكبلاً بالأغلال ليمثل أمام المحكمة بتهمة لم يرتكبها، أو نتيجة وشاية كاذبة من بعض الحاقدين.
طلب الرجل من الحراس مهلة قصيرة قبل خروجه، فسمحوا له بذلك. ذهب الرجل إلى صندوقه الخاص وأخرج منه كتاباً كبيراً، وأصرّ على حمله معه إلى قصر السلطان. عندما وقف الرجل أمام السلطان، ووُجهت إليه التهم، وضع الكتاب الكبير أمام السلطان وقال: “يا مولاي السلطان، لقد أحضرت معي هذا الكتاب ليكون شاهداً في محاكمتي، ففيه كتبت كل حسناتي وسيئاتي في هذه الدنيا، فتعجب السلطان وقال له: لكننا لسنا في يوم القيامة”، فرد عليه حساب يوم القيامة أسهل، فهناك يحضرون حسناتك وسيئاتك، أما أنتم فقد أحضرتم سيئاتي فقط.
تقدم هذه القصة البسيطة مفهوم الأحكام التي يطلقها الناس على بعض الأشخاص أو الجمعيات أو الدول. فبمجرد ارتكاب خطأ لسبب ما، فإنهم يعممون ذلك على كل مسيرة حياته وأعماله. لعل ما يحدث مع الرئيس السوري أحمد الشرع هو من هذا القبيل، فبمجرد أن التقى مع ترامب حتى انهالت الاتهامات عليه، بأنه قد استسلم لأمريكا، وأنه ذاهب للتطبيع والسلام مع العدو الصهيوني، وأن سوريا قد تخلت عن مبادئها، ودخلت في العصر الصهيوني، لكن هل صحيح ما يتهمون سوريا به؟
وحتى لا نكون ممن يُحضر سيئات الناس ويتناسى حسناتهم فسنسرد بعضاً مما حققه الرئيس الشرع من إنجازات تصب في مصلحة الحفاظ على الدولة السورية، ونعدد السيئات التي يتداولها الإعلاميون والصحفيون خصوصاً في لبنان.
أولاً: استطاع الرئيس السوري إزالة قانون قيصر والعقوبات، وهو أمر مهم جداً لإعادة بناء الدولة بعد خمسة عشر سنة من الحرب المدمرة التي أصابتها. من يفهم السياسة الأمريكية يعرف أن إزالة قانون قيصر ليست توقيعاً عابراً. هذا القانون كان يحتاج إلى جهد متواصل لسنوات من العمل في الكونغرس، وإزالة العقوبات تعني عودة الكهرباء، والاستثمار، والبنوك، وعودة سوريا إلى النظام المالي العالمي.
ثانياً: تفكيك المشروع الكردي في الشمال السوري. فقوات “قسد” لم تكن ميليشيا عادية. هي مشروع دولة أُنشئ ليبقى في شمال شرق سوريا، مدعوم من أمريكا والغرب وبعض الدول العربية، ولم يكن بوسع أحد تفكيكها بالحرب دون أن يدخل سوريا في حرب استنزاف لعشر سنوات أخرى. الذي حصل أن القيادة الجديدة فهمت اللعبة: أمريكا لا تدعم قسد حباً بالأكراد، بل كأداة. فإذا انتفت حاجة الأداة، انتهت الأداة، وهذا ما حصل.
ثالثاً: الحفاظ على هيكل الدولة، وعدم الذهاب إلى الفوضى، وبالرغم من وجود عشرات الفصائل العسكرية، إلا أن سوريا تنعم بنوع من الهدوء الذي تحسد عليه في هذه الأيام الصعبة التي تمر على كافة الدول العربية.
رابعاً: استعادة الثروات النفطية في الشمال وجعلها تحت سيطرة الدولة المركزية.
خامساً: إعادة بناء قدرات الجيش السوري تدريباً وتسليحاً، وهذا ما أشار إليه قادة العدو الصهيوني مراراً.
سادساً: يحسب له أنه بعد حوالي السنتين من الوصول إلى السلطة لم تحصل أي إشكالات سياسية أو عسكرية مع جيرانه سواء مع لبنان أو العراق أو تركيا.
بالمقابل.. ماذا جنت أمريكا من الشرع حتى الساعة؟
أولاً: لم يتم السماح لأمريكا ببناء أي قاعدة عسكرية في سوريا، وهي موضوع مهم بالنسبة للأمريكي في إطار صراعه مع إيران أو روسيا أو الصين، بل وبقيت القواعد الروسية موجودة.
ثانياً: لم يتم توقيع اتفاق إطار أو تطبيع أو سلام مع العدو الصهيوني.
ثالثاً: لم يتم الاعتراف بإسرائيل أو التنازل عن الجولان؟ والموقف ثابت ومعلن. وعبر عنه الرئيس الشرع في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها الأخير في نيويورك.
رابعاً: لم يتم السماح لأمريكا بالتدخل في إعادة هيكلة الجيش السوري، ولا التدخل في المناهج التربوية، ولا في عمل القضاء ولا ولا ولا….
خامساً: عند كل اعتداء صهيوني على جنوب سوريا، نجد أن وزارة الخارجية السورية تستنكر ذلك، وتعممه على كافة سفارات الدول الغربية والعالمية، وتبلغ الأمم المتحدة بذلك، وتتخذ الإجراءات اللازمة لحفظ حق سوريا في الادعاء على الكيان الصهيوني.
سادساً: بالرغم من التصريحات الأمريكية العديدة خصوصاً من الرئيس ترامب حول دعوة الرئيس السوري للتدخل في لبنان عسكرياً للقضاء على المقاومة، فإن الرئيس السوري رفضها كلها، ويصر على علاقات جيدة مع لبنان بكل أطيافه.
سابعاً: صحيح أن العلاقة مع إيران مقطوعة، وتحتاج إلى وقت لإعادة وصل ما انقطع، لكن يحسب للقيادة السورية أنها لم تنجر إلى حالة عداء مطلق، ولم تجعل ما مضى شماعة تعلق عليها أي صعوبات تواجهها، بل تبدو العلاقة في حالة من السكون الذي قد يفتح الباب أمام لعب سوريا لدور كبير في السياسة الإقليمية إذا أحسن الرئيس السوري التقاط هذه الفرصة.
قد لا تسمح الظروف الحالية للجيش السوري بتحرير أرضه نظراً لموازين القوى العسكرية، لكنه حتى الآن يبدو مصمماً على استعادة كل أراضيه المحتلة، وهو يسعى لذلك رافضاً التنازل عنها، ولو باتفاقات لا تستعيد الأرض، ولا بتفاهمات لا تحفظ حقوق سوريا في سيادتها الفعلية على كل أراضيها.
طبعاً، تبقى مسألة الأقليات في سوريا من علويين ودروز ومسيحيين وغيرهم هي النقطة السوداء في سجل الدولة السورية الجديدة، خصوصاً ما وصل منها إلى حد القتل والتهجير على كل هؤلاء، وهو ما يجب على الرئيس السوري تداركه بابتكار حلول لكل منهم، تحفظهم في أرضهم، وتساويهم في الحقوق مع كافة أبناء سوريا، وترفع عنهم الضيم والظلم الذي لحق بهم، وذلك لمصلحة بناء سوريا الجديدة المقتدرة.
الأصعب من أن تأتي بسيئات شخص ما لمحاكمته وتنسى حسناته، هو أن تبني سرديات وقصص وهمية وخيالية لتلصقها بشخص وتحاكمه على أساسها، أو أن تحاكمه على نوايا تفترضها مسبقاً عنه، أو تبني على تصريحات أعداء لك وله. إن المحاكمة السياسية لأي جهة تكون على أفعالها الحاضرة، وليس على ما مضى من تاريخها، فلا عداء دائم في السياسة كما لا صداقة دائمة، بل مصالح متبادلة تحفظ حقوق الجميع.
يبقى أن تسارع الأحداث في المنطقة برمتها، قد يجبر أمريكا على الخروج العسكري منها، وما لذلك من تبعات ستؤدي إلى إعادة رسم موازين القوى فيها، وإذا التقطت القيادة السورية تلك الفرصة، فقد تعود سوريا قلب العرب النابض، ونقطة التقائهم جميعاً، وتعود دبلوماسيتها للعب دور الوسيط الذي يسعى للمِّ الشمل، وحفظ التوازنات السياسية في المنطقة، فلا سلام عادلا وشاملا في المنطقة من دون سوريا.



