
بقلم الدكتور سعيد عيسى – الحوارنيوز

عند نقطة التقاء الحدود السورية والعراقية والتركية، حيث تتجاور الخرائط المتبدلة مع جغرافيا لا تتغير، لم تعد المؤشرات الأوضح على التحول مرتبطة فقط بحركة آليات ثقيلة أو أعمال ميدانية قيد التنفيذ، بل بتبدّل الإيقاع اليومي نفسه، زيادة مرور الشاحنات على بعض المسارات، نشاط أكبر في المعابر ونقاط التفتيش، وكثرة الحديث بين التجار والسكان المحليين عن طرق جديدة محتملة واتفاقات قادمة. في هذا الركن الذي صُنّف لسنوات ضمن “المناطق المتنازع عليها”، يلفت متابعون إلى أنّ مركز الثقل يتحرك تدريجياً من لغة الجبهات إلى لغة اللوجستيات، ليس لأنّ البنية التحتية اكتملت أو لأنّ المشاريع أصبحت واقعاً ملموساً، بل لأنّ قرارات التمويل والتخطيط والتنسيق العابر للحدود بدأت تفرض منطقها على حسابات الفاعلين.
وبينما قد يبدو هذا التحول في ظاهره اقتصادياً، فإنه يحمل في العمق أبعاداً سياسية وأمنية مباشرة. فبحسب دبلوماسيين وخبراء اقتصاد سياسي يتابعون الملف السوري، لا يعني ذلك نهاية الصراع أو ولادة تسوية شاملة، لكنه يعكس تغيراً في ترتيب الأولويات لدى أطراف إقليمية ودولية. ومع انخفاض وتيرة المواجهات المفتوحة في بعض المناطق مقارنة بسنوات سابقة، برزت أسئلة مختلفة: من يملك القدرة على إبقاء المعابر تعمل؟ من يحدد قواعد العبور والرسوم والإجراءات؟ وكيف يمكن لترتيبات حكم محلي ووجود عسكري متعدد الأطراف أن تتعايش مع مشاريع ممرات يُراد لها أن تربط الخليج بتركيا ثم أوروبا، أو أنْ تتصل لاحقاً بمسارات نحو القوقاز وآسيا الوسطى؟
ومن هذا الباب، يتجه جزء من النقاش حول شمال شرق سوريا إلى قراءة ما يجري باعتباره انتقالاً تدريجياً من “منطق المناطق” إلى “منطق العقد”، أي من السيطرة على مساحة بوصفها غاية بحد ذاتها إلى السيطرة على نقاط الربط بوصفها مركز الثقل الحقيقي. ففي منطقة تشكلت فيها خلال سنوات الحرب ترتيبات إدارة محلية تحت مظلة “الإدارة الذاتية”، يبرز الآن مشهد أكثر تعقيداً، الدولة السورية تسعى إلى استعادة حضورها المؤسسي على الموارد والمعابر، وتركيا تتابع ملفاً متشابكاً يجمع بين الأمن والاقتصاد، والعراق يريد تثبيت مسار يربط موانئه بعمقه البري، في حين تنظر دول خليجية إلى الربط البري كخيار استثماري وسياسي في آن واحد. وإلى جانب ذلك، يشير متابعون إلى أنّ انخراط الولايات المتحدة—حتى مع استمرار وجودها العسكري المحدود—لم يعد بذات الكثافة السياسية التي اتسمت بها مراحل سابقة، ما يترك فراغاً نسبياً تملؤه حسابات إقليمية أكثر براغماتية.
وفي هذا السياق، يتكرر الحديث عن “دبلوماسية الممرات” بوصفها عنواناً عاماً لمرحلة تتقدم فيها مشاريع النقل والطاقة على مشاريع إعادة تشكيل الأنظمة السياسية. ويشير باحثون إلى أنّ هذا التحول لا يبدل التحالفات بشكل فوري، لكنه يضيف إليها طبقة جديدة، طبقة الربح والخسارة الاقتصادية، وتكاليف التأخير، والقدرة على ضمان الاستقرار عند نقاط العبور. ولأن الممرات لا تعترف بالحدود بالمعنى السياسي التقليدي، فإنها تفرض على اللاعبين المحليين والإقليميين أنْ يعيدوا التفكير في شكل السيطرة، والسيطرة هنا لا تتجسد فقط في القوة العسكرية، بل في القدرة على التنظيم والإدارة وإدارة المخاطر.
وعند هذه النقطة تحديداً، يعود إلى الواجهة جدل قديم حول ما سُمي “ممر داود”. فخلال السنوات الماضية، تحدثت تحليلات إقليمية عن تصور جيوسياسي نُسب إلى إسرائيل، وقيل إنّ دوائر ضيقة في واشنطن نظرت إليه بإيجابية، يقوم على فكرة إنشاء حزام أمني واقتصادي يمتد من الجولان مروراً بالسويداء وصولاً إلى مناطق شرق الفرات. وقد قُدِّم هذا التصور، في تلك التحليلات، باعتباره يهدف إلى خلق ما يشبه “حاجزاً جيوسياسياً” يعزل دمشق عن بغداد وطهران، أو على الأقل يحدّ من التواصل الجغرافي الذي يراه خصوم إسرائيل جزءاً من شبكة نفوذ إقليمية. غير أنّ مراقبين يلفتون إلى أنّ كثيراً من عناصر هذا التصور بقيت في نطاق التقديرات أكثر من كونها مشروعاً معلناً بآليات تنفيذ واضحة، فضلاً عن أنّ نجاحه كان سيتطلب بيئة أمنية مستقرة نسبياً وتمويلاً كبيراً وشراكات محلية قادرة على الصمود في وجه تغير المزاج الدولي.
ومع ذلك، فإنّ أهمية هذا الجدل لا تنبع فقط من سؤال “هل كان الممر ممكناً؟”، بل من سؤال “لماذا تراجع حضوره الآن؟”. فبحسب قراءات ميدانية في القامشلي والحسكة، تضاءلت فرص تحويل مثل هذه الأفكار إلى واقع في ظل صعود مشاريع ممرات اقتصادية عابرة للحدود تتبناها دول ذات قدرات تمويلية وتنفيذية أعلى، وتستند إلى مصالح تجارية مباشرة. وإضافة إلى ذلك، يرى بعض المتابعين أنّ أفكاراً رافقت الحديث عن “أحزمة أمنية” وكيانات وظيفية قامت على فرضيات هوياتية أو تقسيمية، اصطدمت بتعقيدات المجتمع المحلي وتعدد مراكز القوة، كما اصطدمت أيضاً بعامل الاقتصاد، فأي نموذج لا يوفر وظائف واستقراراً وعوائد ملموسة يصبح هشاً أمام أي تبدل سياسي أو أمني.
ومن هنا، تتقدم المقاربة التركية بوصفها المثال الأكثر حضوراً في النقاش الجاري. فأنقرة، وفق مسؤولين وخبراء قريبين من دوائر صنع القرار، لم تعد تقارب جنوبها فقط بمنطق منع التهديدات التي تصفها بالإرهابية، بل تسعى إلى تثبيت موقعها كمحطة عبور في شبكة إقليمية متداخلة. وفي قلب هذه المقاربة، يبرز مشروع “طريق التنمية” الذي تروّج له بغداد وأنقرة، ويحظى بدعم أو اهتمام خليجيين، ويهدف إلى ربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بالحدود التركية ثم الانفتاح على الشبكات الأوروبية. وبالرغم من أنّ المشروع ما زال يحتاج إلى مراحل تنفيذ طويلة، فإنّ تأثيره السياسي يتقدم أحياناً على تنفيذه الفعلي، لأن مجرد وجود تصور موحد للمسار يخلق ضغطاً باتجاه تخفيف مصادر التعطيل وإدارة نقاط الاختناق على طول الطريق.
وبناءً على ذلك، يرى بعض المحللين أنّ الشمال السوري تحول إلى مساحة اختبار لمدى قدرة الأطراف على ترجمة الشعارات إلى ترتيبات عملية، لا سيما في بيئة تتقاطع فيها ملفات النفط والقمح والمعابر مع ملفات الأمن والهوية. فبالنسبة لأنقرة، أي فراغ إداري كبير أو صدام مفتوح قرب مناطق الربط قد يخلق كلفة مباشرة على مشروعها الأوسع، سواء عبر تعقيد حركة النقل أو عبر زيادة مخاطر الاستثمار. ولذلك، يميل هذا الاتجاه التحليلي إلى القول إنّ ما يتشكل في سوريا من تفاهمات-أياً كانت تسميته السياسية-يتصل بدرجة كبيرة بتأمين حركة التجارة والطاقة، وبصناعة حد أدنى من الاستقرار القابل للتدوير اقتصادياً.
ومع أنّ دمشق كانت تاريخياً تنظر إلى النفوذ التركي في الشمال على أنه امتداد للصراع، فإن مؤشرات براغماتية بدأت تظهر في النقاشات المرتبطة بإعادة الإعمار وفتح المنافذ وتخفيف العزلة. ففي أروقة دبلوماسية، يُتداول تعبير “السلام اللوجستي” للإشارة إلى تسويات جزئية تقوم على ضمان انسياب البضائع والطاقة حتى في غياب حل سياسي شامل. ويستند هذا التصور إلى فكرة أنّ بعض الدول قد تقبل بترتيبات ناقصة سياسياً طالما أنها تُبقي خطوط التجارة مفتوحة وتخفف من احتمالات الانفجار الأمني. وعلى هذا الأساس، يصبح اندماج سوريا-جزئياً أو مرحليا-في شبكة ممرات تركية-عراقية أحد الرهانات المحتملة على الاستقرار، خصوصاً إذا اقترن ذلك بوعود استثمار وتمويل وتسهيلات.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل هذا كله عن وضع الفاعلين المحليين في شمال شرق سوريا. فالقوات الكردية التي امتلكت نفوذاً عسكرياً وإدارياً واسعاً خلال الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية”، تجد نفسها أمام واقع تفاوضي أكثر قسوة، بحسب باحثين محليين. فمن جهة، هناك اعتبارات تتعلق بالمكتسبات الإدارية والأمنية وبمصير المؤسسات المحلية، ومن جهة أخرى هناك ضغط يتصل بتغير أولويات القوى الكبرى وتبدل مسارات الدعم. وفي هذا الإطار، تُطرح مفاوضات الاندماج أو إعادة التموضع ضمن بنى الدولة السورية كخيار واقعي لدى بعض الأطراف، بينما يراه آخرون مخاطرة على المكاسب المتحققة. وبين هذين الموقفين، يبقى العامل الاقتصادي-المعابر والموارد والوظائف-محدداً أساسياً لمدى قبول أي صيغة.
وعلى نحو يوسع المشهد أبعد من سوريا والعراق، تنظر تركيا أيضاً إلى الشرق عبر “ممر زنغزور” الذي يربط أذربيجان بتركيا عبر إقليم ناخيتشيفان، ويُطرح كحلقة مهمة ضمن مسار “الممر الأوسط” الواصل بين الصين وأوروبا عبر آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا. ويشير خبراء شحن دولي إلى أنّ جاذبية هذا الممر تعززت بفعل اضطرابات البحر الأحمر والمخاطر التي طالت بعض طرق الملاحة التقليدية، ما جعل الخيارات البرية أكثر حضوراً في حسابات الشركات والدول. ومن ثم، فإن ربط خطوط الجنوب القادمة من الخليج عبر العراق بخطوط الشرق عبر القوقاز قد يمنح أنقرة موقعاً أكثر تأثيراً في إدارة تدفقات التجارة، وهو تأثير ينعكس سياسياً حتى إنْ رُفعت شعارات اقتصادية.
وبالتوازي، يلاحظ محللون أنّ هذا التحول يفرض على إسرائيل إعادة تقييم أدواتها التقليدية في بيئة تتقدم فيها الممرات التجارية على الأحزمة الأمنية. فمشاريع النفوذ ذات الطابع الأمني الصرف تبدو أقل قدرة على جذب التمويل والاستدامة مقارنة بمشاريع الربط التي تمنح المستثمرين عائداً قابلاً للقياس وتخلق شراكات متعددة المستويات. كما أنّ الأولويات الخليجية-بحسب مؤشرات استثمارية وتصريحات رسمية-تميل إلى مشروعات تربط الموانئ الخليجية بالأسواق الأوروبية عبر العراق وتركيا، وهو ما يمنح دول الخليج نفوذاً اقتصادياً وسياسياً في قلب الهلال الخصيب من خلال أدوات التنمية والبنية التحتية، لا من خلال الانخراط في ترتيبات أمنية عالية الكلفة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ الاقتصاد حلّ محل السياسة بالكامل، بل إنّ الاقتصاد بات قناة جديدة للسياسة. فالممر يمنح نفوذاً، والنفوذ يترجم إلى قدرة على التفاوض في ملفات أخرى، من الطاقة إلى الأمن إلى إعادة الإعمار. وبقدر ما تتقدم المشاريع وتترسخ التفاهمات، تتغير أيضاً لغة الأطراف، فمفردات مثل “المعابر” و“التعرفة” و“التنسيق” و“المواصفات” تصبح جزءاً من قاموس التفاوض، إلى جانب مفردات السيادة والحدود والتحالفات.
وعند النظر إلى الداخل السوري، يظل عنصر الموارد شديد الحساسية. فحقول النفط والغاز ومناطق الإنتاج الزراعي ليست مجرد مصادر دخل، بل أدوات تفاوض. لذلك، فإن أي إعادة انتشار للقوات أو إعادة ترتيب للإدارات المحلية حول هذه الموارد تُقرأ بوصفها خطوة ضمن سباق السيطرة على عناصر الاقتصاد السياسي، لا مجرد خطوة عسكرية. وفي هذا المناخ، تصبح صور الأقمار الصناعية والتقارير الميدانية عن التحركات قرب منشآت حيوية مؤشراً على اتجاهات أوسع، فهل نحن أمام مركزية متزايدة للدولة؟ أم أمام صيغ تقاسم وإدارة مشتركة؟ أم أمام ترتيبات انتقالية تتبدل بحسب موازين القوى؟
وبينما تبدو الإجابات غير نهائية، فإن ما يمكن ملاحظته-وفق متابعين-هو أنّ منطق “الفصل” يواجه صعوبات متزايدة أمام منطق “الوصل”. فالممرات التي تقوم على استثناء مناطق أو عزلها أو تحويلها إلى فراغات جيوسياسية، تصطدم بالحاجة إلى سلسلة متصلة من الاستقرار والإجراءات المتجانسة. وفي المقابل، فإنّ الممرات التي تُبنى على الربط وإزالة العوائق وتوحيد الإجراءات، تمتلك فرصاً أكبر للتحول إلى واقع، حتى لو بقيت رهينة السياسة والأمن.
وفي الختام، تُطرح فرضية أنّ كانون الثاني\يناير 2026 شكّل—أو قد يشكل—منعطفاً في انتقال المنطقة من صراع الأيديولوجيات والهويات إلى تنافس على البنية التحتية ومسارات العبور. ومع تراجع الدخان فوق بعض المدن السورية مقارنة بسنوات الحرب الأولى، تظهر حقيقة تتكرر في التاريخ السياسي للمنطقة، الجغرافيا ليست قدراً ثابتاً، لكنها أيضاً ليست لوحة يمكن رسمها بخطوط أمنية فقط؛ إذ كثيراً ما يعاد تشكيلها عبر الطرق والسكك والموانئ والمعابر. وفي سباق كهذا، يبدو أنّ أنقرة تقدمت في الاستثمار في دور “المحطة”، بينما تتعامل أطراف أخرى مع واقع جديد يتشكل ببطء، ممرّاً بعد آخر.



