رأي

منهجية الاعلام البريطاني حيال قضايا العالم العربي: المصالح أولاً !(رشا برّو)

 

رشا برّو – الحوارنيوز- لندن

 

  تغطية أخبار وأحداث العالم العربي من قبل وسائل الإعلام البريطانية لا يمكن فهمها كتمرين صحفي محايد بسيط، فهي تندرج ضمن إطار سياسي أوسع، حيث تشكّل علاقات القوة، والتحالفات الاستراتيجية، والوراثات التاريخية عمق إنتاج المعلومة. 

خلف الموضوعية الإعلامية الظاهرة، يتشكل سرد غالباً ما يكون متماهياً، بوعي أو بغير وعي، مع مصالح المملكة المتحدة وحلفائها.

 

تمثيل مبني حول الأزمة وعدم الاستقرار

 

في وسائل الإعلام البريطانية الكبرى مثل BBC News أو The Guardian، يُقدَّم العالم العربي في الغالب من خلال عدسة الصراع، الحرب والفوضى. من سوريا إلى اليمن، مروراً بالعراق وفلسطين، تتركز الأخبار على أزمات مثيرة، والتي، رغم واقعيتها، تنتهي بتعريف صورة منطقة كاملة تقريبًا من خلالها.

 

هذا التركيز ليس محايداً سياسياً. فهو يساهم في إضفاء الشرعية على رؤية العالم العربي كفضاء غير مستقر، يحتاج إلى مراقبة أو تدخل أو إدارة خارجية. هذا التأطير يعزز ضمنياً منطق التدخل ويهمّش الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي لا تتوافق مع هذا السرد المهيمن.

 

تأثير المصالح الاستراتيجية البريطانية

 

تحتفظ المملكة المتحدة بعلاقات وثيقة مع عدة دول عربية، خصوصاً في مجالات الطاقة والتسليح. شركات مثل BAE Systems تجسد هذه الروابط الاقتصادية الكبرى، خاصة مع دول الخليج.

 

في هذا السياق، لا يمكن فصل التغطية الإعلامية تماماً عن هذه المصالح. فالنقد الموجَّه لبعض الحلفاء الاستراتيجيين غالباً ما يُخفَّف أو يُؤطَّر أو يُدفع إلى الخلفية، بينما تُعالج الدول المصنَّفة كخصوم بشكل أكثر مباشرة وأكثر اتهامًا.

 

هذا الاختلال يكشف عن توتر أساسي: فوسائل الإعلام، حتى في الديمقراطيات الليبرالية، تعمل في بيئة تؤثر فيها الأولويات الجيوسياسية على الأطر السردية.

 

المعايير المزدوجة كأداة سياسية

 

المعيار المزدوج في معالجة المعلومة ليس مجرد انحراف صحفي؛ بل يمكن تفسيره كامتداد لعلاقات القوة الدولية. فانتهاكات القانون الدولي، القصف، أو المساس بحقوق الإنسان لا تُعالج بنفس الحدة تبعاً للفاعلين المعنيين.

 

هكذا، في تغطية أفعال إسرائيل أو روسيا، تكون الفوارق صارخة. حيث يُستخدم مصطلح “غزو” لوصف فعل روسيا في أوكرانيا، بينما تُوصَف العمليات الإسرائيلية غالبًا بمصطلحات مخففة مثل “هجوم” أو “تدخل”. هذا التباين اللغوي يساهم في تراتبية ضمنية للمسؤوليات والشرعيات.

 

اللغة كأداة أيديولوجية

 

اختيار الكلمات في الإعلام ليس أبدًا بريئاً. إنه يشكّل أداة سياسية حقيقية. فوصْف المدنيين بأنهم “موتى” بدلًا من “قُتلوا” يخفف من المسؤولية؛ والحديث عن “دخول قوات” بدلًا من “غزو” يقلل من خطورة الفعل العسكري.

 

هذه الفوارق، الملحوظة في تغطية لبنان أو إسرائيل أو أوكرانيا، تعكس بناءً خطابياً يؤثر مباشرة على الرأي العام. تصبح اللغة إذًا ناقلًا للسلطة، يوجّه العواطف، التعاطف، وإدراك شرعية الفاعلين الحاضرين.

 

هيمنة المصادر الغربية

 

هيمنة المصادر الغربية في الإعلام البريطاني تعزز هذا التوجه السياسي. غالباً ما تُهمَّش الأصوات القادمة من العالم العربي أو تُفلتر عبر أطر تفسيرية غربية.

 

هذا التفاوت في إنتاج المعلومة يساهم في الحفاظ على شكل من أشكال الهيمنة السردية، حيث تُروى الحقائق المحلية من الخارج، وفق أولويات ليست بالضرورة أولويات الشعوب المعنية.

 

نحو إعادة نظر سياسية في النموذج الإعلامي؟

 

أمام هذه الانتقادات، تسعى بعض المبادرات الصحفية إلى تقديم بدائل أكثر توازناً. ومع ذلك، فإن المسألة تتجاوز الإطار المهني البحت: إنها سياسية بعمق.

 

إعادة التوازن في تغطية العالم العربي تفترض إعادة النظر في هياكل القوة التي تؤثر على الإعلام، سواء كانت علاقات دولية، مصالح اقتصادية، أو إرثًا ما بعد استعماري.

 

خاتمة

 

تكشف التغطية الإعلامية للعالم العربي من قبل وسائل الإعلام البريطانية عن تشابك معقد بين المعلومة والسلطة. فهي بعيدة عن الحياد، وتشارك في بناء سرد سياسي عالمي، حيث يعكس المعيار المزدوج والخيارات اللغوية علاقات قوة واقعية.

 

في هذا السياق، فإن المطالبة بصحافة أكثر عدلاً لا تندرج فقط ضمن مطلب مهني، بل هي رهان ديمقراطي أساسي: إنتاج معلومة قادرة على مقاومة منطق التأثير، وعلى نقل، بدقة وعدالة، تعقيد العالم.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى