ملامح مخطط لتصفية الحسابات السياسية فوق الركام (أكرم بزي)

كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
من خلال مراقبة المسار الدبلوماسي الأخير يظهر أن هناك بنية سياسية بدأت تتشكل ملامحها بوضوح خلف الكواليس، حيث لم يعد الخطاب الرسمي مجرد تعبير عن مواقف عابرة بل صار يعكس استراتيجية عمل مشتركة تجمع بين رؤوس الهرم السياسي، وهذا التناغم الملحوظ يشير إلى وجود غرفة عمليات سياسية تدير الملفات الخارجية بما يتوافق مع رؤية تهدف إلى إعادة صياغة الدور اللبناني وفق منظور دولي معين، وهو ما يفسر حالة الانسجام بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ورئاسة الحكومة التي باتت تتحرك كفريق متجانس يسعى لتثبيت وقائع جديدة على الساحة المحلية، كما يتجلى هذا التنسيق الذي يبدو في ظاهره دبلوماسيا في أبعاد تتجاوز الترتيبات البروتوكولية، إذ يعتقد الكثيرون أن هذا التحالف يسعى لاستدراج الدعم الغربي ليس فقط كحاجة اقتصادية بل كرافعة سياسية لتقوية نفوذ قوى وتكتلات حزبية معينة ضد المقاومة اللبنانية.
إن القلق من ارتهان القرار السياسي للتدخلات الغربية يرتكز على فكرة أن لبنان قد يتحول إلى ساحة لتنفيذ مشاريع إقليمية لا تراعي خصوصية توازناته الداخلية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى زيادة حدة الاستقطاب وتعميق فجوة الثقة بين المكونات اللبنانية، حيث يصبح الخطاب الدبلوماسي في هذه الحالة أداة لتسويق خيارات سياسية مثيرة للجدل داخليا تحت ستار الشرعية الدولية.
وما يثير الريبة بشكل أكبر هو الربط بين هذا المسار السياسي وبين التطورات الميدانية المتسارعة. فالملاحظ أنه مع بداية تطبيق المرحلة الأولى من خطة الجيش عمدت إسرائيل إلى القيام بحملة تدمير وقتل طالت معظم المناطق اللبنانية جنوب نهر الليطاني، والآن تقوم بنفس وتيرة الاستهداف والتدمير في مناطق جنوب وشمال النهر على حد سواء، ما يوحي بأن هناك مخططا مدبرا من قبل الغرف السوداء وبالتنسيق مع الأمريكيين لفرض واقع جديد على الأرض.
يتضح من سياق الأحداث أن التركيز المتزايد على مناطق شمال النهر ليس مجرد تصعيد عسكري عابر بل هو جزء من عملية جراحية سياسية وأمنية كبرى يتم تنفيذها بالنار، خاصة مع الغياب الملحوظ لدور لجنة الميكانيزم وتعطل آليات الرقابة الدولية التي لم يعد لها وجود يذكر، وهذا الفراغ الرقابي يمنح الاحتلال ضوءا أخضر لتوسيع رقعة القتل الممنهج وتدمير البنى التحتية، وهو ما يتقاطع بشكل مريب مع طموحات الفريق السياسي المحلي الذي يعول على هذه التدخلات الخارجية لتنفيذ أجندة غربية تتناسب مع مصالحه الحزبية، وبات من الواضح أن هناك محاولة لفرض معادلة جديدة تعيد رسم الخرائط السياسية والميدانية في لبنان، بحيث يتم إخضاع الداخل اللبناني لشروط دولية قاسية تحت وطأة النار والضغط الدبلوماسي الموحد.
يمكن القول إن لبنان يمر بمرحلة مفصلية يتم فيها إعادة تعريف الثوابت الوطنية تحت ضغط الحاجة المالية والإغراءات السياسية والتهديد العسكري المباشر، وما نراه اليوم من تناغم بين أركان السلطة وتصعيد إسرائيلي ممنهج يتجاوز الحدود الجغرافية المعتادة، ليس إلا فصلا من فصول مواجهة كبرى تهدف إلى تصفية الحسابات مع المقاومة اللبنانية، وإذا استمر هذا الفريق في نهجه الارتهاني وتغاضيه عن المخططات التي تحاك في الغرف السوداء فإن التكلفة ستكون باهظة على المستوى الوطني، لأن بناء الدولة لا يمكن أن يتم عبر الاستقواء بالخارج أو الصمت عن تدمير القرى والمدن شمالا وجنوبا، بل عبر حوار صادق يضع حماية الإنسان والأرض فوق كل اعتبار فئوي أو أجندة أجنبية.



