تقريرسياسة

مراجعة سياسية لتاريخ الكيان الصهيوني: هل نتنياهو هو المشكلة؟.. ولماذا أصبح المجتمع الإسرائيلي أكثر تطرفًا؟ (أحمد حوماني)

 

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

يُكثر المحللون السياسيون من القول إن نتنياهو هو سبب المشاكل في منطقة غرب آسيا خلال السنوات الثلاث الماضية، ويذكر البعض أن ترامب هو سبب المشاكل في العالم كله، يقولون ذلك كما لو أن الأحداث والحروب تُقاد بالمزاجية الشخصية في هذا العالم، متجاهلين أنه سواء في الكيان الصهيوني أو في الإدارة الأمريكية، توجد آليات للقيادة والتوجيه واتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالدخول في حروب مكلفة اقتصاديًا وبشريًا وسياسيًا، وأن الرؤساء يُنفذون أو يُظهّرون هذه القرارات، وطبعًا هم مشاركون فيها، لكنهم ليسوا صانعيها بمفردهم. ولا نُنكر أن طريقة أداء القادة لها تأثير في كيفية التنفيذ، وطريقة معالجة الثغرات وتصحيحها، وأكثر من ذلك، فإننا نعلم أن وصول الرؤساء سواء في الكيان الصهيوني أو أمريكا أو غيرهما من دول العالم، هو صناعة قبل أن يكون عملية انتخاب حرة.

نعود إلى الكيان الصهيوني؛ فقد حكم حزب العمل – حزب مباي سابقًا – منذ بداية تأسيس الدولة حتى العام 1977، أي ما يقارب ثلاثين عامًا، بداية مع ديفيد بن غوريون وبعده موشيه شاريت ثم ليفي أشكول ثم غولدا مائير وأخيرًا إسحاق رابين. وأصعب الحروب الصهيونية العربية خيضت في عهود حزب العمل: حرب 1956 ضد مصر، وحرب 1967 ضد مصر وسوريا، التي أدت إلى احتلال الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء، ثم حرب العام 1973 التي استعادت فيها مصر جزءًا من أراضيها وانتهت كما قيل بانتصار العرب – مع التحفظ على كلمة انتصار.

ويظهر أن انتهاء الحرب بهذه النتيجة قلّل من قوة حزب العمل، وعزّز حظوظ حزب الليكود برئاسة مناحيم بيغن. كما يتبين أن نتائج هذه الحرب كانت بداية التفكير الصهيوني بوجوب إيجاد حلول سياسية مع الدول العربية، ترتكز على مبدأ الأرض مقابل السلام، وهو ما كان يردده ليفي أشكول بقوله: “إن الأراضي المحتلة هي وديعة رهن التوصل إلى اتفاق سلام مع العرب”. وخلال فترة حكم إسحاق رابين الأولى تم التفاوض مع مصر على اتفاقية سلام، لكن خسارة حزب العمل للانتخابات جعلت حكومة الليكود بقيادة مناحيم بيغن تستأثر بفضيلة كونها استقبلت أنور السادات وعقدت معه اتفاق الصلح.

ثم كان اجتياح العام 1982 حيث وصلت الدبابات الصهيونية إلى بيروت، وفرضت انتخاب الرئيسين بشير وأمين الجميل، لكن شدة مقاومة الاحتلال جعلته يتراجع تدريجيًا، والعدد الكبير من القتلى في صفوفه أطاح بمناحيم بيغن، وخلفه إسحاق شامير من الليكود الذي ما لبث أن سقط في انتخابات الكنيست، وعاد حزب العمل إلى السلطة بقيادة إسحاق رابين ليحاول إكمال سياسة الصلح مع العرب، فانسحب بجيشه من معظم المناطق اللبنانية المحتلة، وأبقى على حزام أمني ضيق. ثم عاد حزب الليكود إلى السلطة بقيادة إسحاق شامير، لكن الظروف السياسية، سواء وقف الحرب الإيرانية العراقية، أو اجتياح الكويت من قبل صدام حسين ودخول الجيوش الأمريكية والأوروبية إلى العراق، دفعت بالأمريكيين إلى استغلال هذا الأمر لفرض محادثات سلام في مدريد تحت عنوان (الأرض مقابل السلام)، وكان عرابها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، ومرغمًا ذهب إسحاق شامير إلى تلك المفاوضات. ومع وصول حزب العمل إلى السلطة من جديد ومع عودة إسحاق رابين، وفوز بيل كلينتون برئاسة أمريكا، بدا أن محادثات السلام ستصل إلى نهايتها السعيدة، لكن اغتيال إسحاق رابين أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، وبدا أن حزب الليكود وخلال سنوات حكمه قد استطاع تغيير مزاج الجمهور الصهيوني وأخذه إلى مزيد من التطرف.

وبالرغم من محاولات شيمون بيريز بمشروعه (الشرق الأوسط الجديد) وإسرائيل العظمى اقتصاديًا، إلا أن الأمور بدأت تنحو باتجاه مزيد من التطرف في المجتمع الصهيوني، وبرز انقسام حاد بين من يؤيد فكرة السلام مع العرب على أساس الأرض مقابل السلام، وبين من يرفض ذلك من دون مشروع علني محدد. وفيما عاد الليكود إلى السلطة مع بنيامين نتنياهو في فترة حكمه الأولى، انقطع حبل السلام مع العرب، وكان الهم الصهيوني الأكبر في تلك الفترة هو جبهة لبنان، التي تعاظمت خسائر العدو فيها، ولم يجد العدو حلًا لها إلا مع عودة حزب العمل بقيادة إيهود باراك، الذي اتخذ قرار الانسحاب من لبنان، وهذا ما حصل.

 لكن يبدو أن ذلك كان المسمار الأخير في نعش حزب العمل الذي تناقصت كتلته إلى حد كبير، ولم يعد مؤثرًا في الساحة السياسية، وتحوّل إلى حزب صغير، فيما تعاظمت قدرة حزب الليكود مع عودته إلى الحكم مع أرييل شارون الذي سرعان ما انشق عن الليكود ليؤسس حزب كاديما مع إيهود أولمرت. هذا الأمر جعل الصراع الحزبي في كيان العدو بين حزب متطرف وحزب أكثر تطرفًا. ومع مرض شارون الطويل وهزيمة أولمرت في حرب لبنان عام 2006، دانت السيطرة لحزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو مع منافسة من أحزاب المعارضة المشتتة.

ترأس نتنياهو السلطة لفترة تقارب اثنتي عشرة سنة، كانت الأحزاب المؤيدة له في الائتلاف كلها من الأحزاب اليمينية المتطرفة التي تنامت قوتها يومًا بعد يوم، وحتى أعضاء حزب الليكود جنحوا باتجاه التطرف ليصبح التوجه في حكومة نتنياهو أشد تطرفًا وبعيدًا عن أي مفهوم للسلام، خصوصًا مبدأ الأرض مقابل السلام، ليتجه مفهوم السلام عند الصهاينة إلى السلام مقابل السلام. وبالتأكيد خلال هذه الفترة تمتعت الأحزاب الدينية المتطرفة بهامش واسع من الحركة والتمويل، مما جعلها أكثر قوة وسيطرة، وظهرت شعارات الدولة اليهودية بشكل أوضح على لسان قادتها. فيما أحزاب المعارضة لم يكن لديها مشروع واضح المعالم، فبينما كانت الموالاة والمعارضة في السابق بين نهج الاحتلال ونهج السلام، أصبحت أحزاب المعارضة أكثر تشددًا أيضًا، وذلك لمحاولة كسب تأييد الناخبين، وأصبح خطابها أقرب إلى خطاب الليكود وإن أبدت معارضته السياسية له.

لقد استطاع قادة الأحزاب اليمينية المتطرفة جرّ المجتمع الصهيوني نحو مزيد من التطرف حفظًا لمكاسبهم الانتخابية، وعلت أصواتهم في تخويف المجتمع الصهيوني من إيران وبرنامجها النووي. وبالرغم من عودة المعارضة إلى السلطة بائتلاف لبيد وبينيت، إلا أنها فشلت في تقديم مشروع واضح المعالم أو الدفع باتجاه سلام مع العرب، ففشلت سريعًا مما أدى إلى سقوطها وعودة الليكود إلى السلطة بقيادة نتنياهو من جديد، لكن هذه المرة بتحالفات يمينية فرضت شروطها عليه في السياسة والاقتصاد والعسكر، فعاد الخطاب العدائي العنصري ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وضد إيران باعتبارها العدو والخطر الوجودي على الكيان، وعاد مشروع إسرائيل الكبرى يُدغدغ أحلام المتطرفين سواء في التوسع في لبنان أو غزة أو سوريا.

سيُذكر تاريخ السابع من تشرين الأول عام 2023 كعلامة فارقة في تاريخ الكيان والمنطقة بأسرها. وبعيدًا عن تأويلات ما حدث فعلًا، إلا أن الإعلام الصهيوني والعالمي استطاع أن يصور أن الكيان في خطر، وأن المعركة هي معركة وجود بالنسبة إليه. وتحت هذا العنوان توحّدت أحزاب المعارضة في الكيان مع أحزاب السلطة، ولم نعد نجد فرقًا بين خطابيهما، بل إن بعض أركان المعارضة كانوا أشد قسوة وتطرفًا – من المتطرفين في حكومة نتنياهو – كأمثال ليبرمان وإيزنكوت ولبيد وبينيت وغيرهم. ولثلاث سنوات فتح نتنياهو معارك مع غزة والضفة ولبنان واليمن وسوريا وإيران والعراق، وفي كل ذلك كانت المعارضة كما الموالاة تؤيد سياسة نتنياهو، بل وتُزايد عليه في بعض الأحيان. وفي لحظات الانتصار فإن الكل يمتدح القيادة وعملها ويؤيدها، لذا طيلة أكثر من سنتين لم يقف أي مسؤول صهيوني، سواء في المعارضة أو الموالاة، في وجه نتنياهو.

لكن العلامة الفارقة الثانية كانت في الحرب الأخيرة على إيران التي استمرّت لأربعين يومًا – مع فتح جبهة لبنان في الوقت نفسه – والتي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار على كل الجبهات – ولم يلتزم به العدو الصهيوني على جبهة لبنان – وفيما بدأ الكلام عن عدم الانتصار في جبهة إيران وخروجها أقوى من قبل، بدأ التباين في تصريحات قادة العدو، كذلك في جبهة لبنان التي تحولت إلى مستنقع يُذكّر الصهاينة بفترة تسعينات القرن الماضي، عندما كان جنودهم يعودون في توابيت بشكل دوري. فبدأ الحديث في الكيان عن الهزيمة ضد إيران، وعن الخسائر التي لا تُحتمل في لبنان، مما شكّل معارضة، ليس لأفكار الليكود وتوجهات المتطرفين، بل نحو سوء إدارة نتنياهو للحرب على الجبهات المختلفة.

اليوم ما زال خطاب المعارضة سواء لبيد أو بينيت أو ليبرمان أو إيزنكوت أو غيرهم، هو نفس خطاب نتنياهو على مختلف الجبهات، ما تغيّر هو تصويبهم على شخص نتنياهو، ويمكن أن يكون ذلك مدفوعًا بالسعي إلى التخلص منه شخصيًا، وتولي سدة الرئاسة بعده. فكل أولئك المعارضين لم يُقدموا مشروعًا يُخرج الكيان مما هو فيه، ولا نقول هنا مشروع سلام، فهذا المشروع قد سقط من تفكير قادة العدو جميعًا، لكن مشروع يُمكن أن يحدّ من تطرف جمهورهم، ويجعله أكثر تعقلًا وواقعية. وبعيدًا عن أن نتنياهو يجب أن يستقيل أو يُعزل كما حال من سبقه من رؤساء الوزراء الذين خسروا الحروب، كغولدا مائير ومناحيم بيغن لإحداث تغيير في نهج السلطة الحاكمة، فإن الانتخابات التي لو حصلت في أيلول المقبل وخسرها نتنياهو، أو أُبعد عن خوضها، فإن من سينتخب بعده لا يملك رؤية لنهج مغاير، خصوصًا أن المجتمع الصهيوني نحى باتجاه التطرف، ولم يعد بالإمكان تغيير نظرته خلال وقت قصير، فالصراع في الانتخابات بين المتطرفين ومن هم أشد تطرفًا، ولم يعد هناك مجال لتسوية تُرضي الجميع في المنطقة، فضلًا عن سلام انتهى ودُفن مع موت عرابه في ذلك الوقت إسحاق رابين.

 نتنياهو استطاع ترؤس حكومة العدو لأكثر من عشرين سنة، في ثلاث دورات غير متتالية، وهي أطول مدة حكم لرئيس وزراء في كيان العدو الصهيوني. أدخل الكيان في عهده الأخير في أطول الحروب مدةً ولا تزال مفتوحة حتى اليوم، وفتح عدة جبهات في وقت واحد، كما استعدى دولًا بعيدة عن الحدود المباشرة كإيران واليمن والعراق. لكن مع كل ذلك لا يبدو أن خروجه من الحكم سيُغلق هذه الجبهات أو يوقف هذه الحروب، فالمجتمع الصهيوني وقادة العدو في أغلبهم لا يملكون مشروعًا يُمكّنهم من تصفير كل ذلك.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى