تقريردولياتسياسة

ما يحصل في فرنسا.. أزمة اقتصادية أم قيمية.. وما هو سرّ وجود العلم الفلسطيني؟(عدنان جزيني)

 

كتب د. عدنان جزيني – الحوارنيوز 

 

من دون شك، تعاني فرنسا من تأزّم الأوضاع الاقتصادية، ومن ديون متراكمة بلغت نحو ٣٫٦ تريليون يورو بنهاية الربع الثاني من عام ٢٠٢٦، إضافة إلى العجز في المالية العامة. كما تعاني من فجوة بين ما اعتاد عليه مواطنوها في ظل دولة الرفاه، وبين واقع مأزوم يضغط على قدرتها على تأمين مستوى الخدمات والحماية الاجتماعية الذي عرفوه سابقًا. وتواجه تحديات قد تتفاقم في ظل غياب المعالجات الفعلية، والاستمرار في الاقتراض وتحمّل أعباء خدمة الدين ⁠ .

 

ولكن، ما يحصل من أعمال عنف وسرقة واقتحام للمحال التجارية وتخريب للممتلكات، خلال جانب من الاحتجاجات الأخيرة، هل يعكس آثار الأزمة الاقتصادية فقط، أم يكشف أيضًا عن خلل في المسلكيات والمنظومة القيمية؟ 

 

وطبعًا، يحق للشعب الفرنسي، كما غيره من الشعوب، أن يحتجّ وينتفض دفاعًا عن حقوقه. لكن هناك فرق بين الاحتجاج وبين الاعتداء على الناس وأرزاقهم. 

 

فالضائقة الاقتصادية قد تفسّر الغضب، لكنها لا تبرّر السرقة والتخريب، ولا تلغي خطورة هذه الممارسات وما تتركه من آثار على المجتمع.

وهنا تبرز الفجوة بين المبادئ التي تتغنّى بها فرنسا وبين ما نشاهده من ممارسات عنيفة تصدر عن شباب وشابات نشأوا في ظل نظامها التعليمي والاجتماعي والقيمي. وهذا يثير تساؤلات جدية حول مدى نجاح هذا النموذج في تحويل مبادئه إلى سلوك، ويضع ادّعاء التفوّق الحضاري والأخلاقي أمام امتحان حقيقي.

 

ولا يعني ذلك أن هذه الممارسات تختصر الشعب الفرنسي، أو أن جميع المحتجّين يشاركون فيها. لكن وجودها بهذا الشكل يفرض مساءلة النموذج الفرنسي، خصوصًا عندما يقدّم نفسه مرجعًا للحضارة والتسامح وحقوق الإنسان، ويمنح نفسه حق محاكمة الآخرين على أساسها.

 

والملاحظة الأساسية هنا تتعلّق بطريقة تفسير هذه المسلكيات: فعندما يحصل العنف داخل فرنسا، يُربط بالواقع السوسيولوجي، أي بالتهميش والظروف الاجتماعية والغضب من السياسات العامة، ويُفكّ ارتباطه بالثقافة والمنظومة القيمية. 

 

أما حين تقع ممارسات مشابهة في مجتمعات عربية وإسلامية تفسر  باعتبارها دليلًا على التخلّف أو غياب التحضّر، وتُربط بثقافة تلك المجتمعات أو دينها، فنحن أمام ازدواجية واضحة في المعايير.

 

فلماذا يكون العنف عند الذات نتيجةً للظروف الاجتماعية، بينما يصبح عند الآخرين تعبيرًا عن ثقافتهم وهويتهم؟ ولماذا تُستدعى الأسباب والظروف لفهم ما يحدث في فرنسا، فيما تُطلق الأحكام على مجتمعات أخرى بأكملها بسبب ممارسات بعض أفرادها؟

المشكلة ليست في تفسير العنف بأسبابه الاجتماعية، بل في اعتماد هذا التفسير للذات وحجبه عن الآخرين. فإذا كانت الظروف الاجتماعية تستحق البحث والفهم في فرنسا، فهي تستحق ذلك في غيرها أيضًا. وإذا كانت مسلكيات الأفراد تفتح باب مساءلة الثقافة عند الآخرين، فلا يجوز إغلاق هذا الباب عندما يتعلّق الأمر بالمجتمع الفرنسي.

 

إن خطورة ما يحصل تتجاوز الخسائر المادية؛ فهي تمسّ أمن الناس، والثقة بين أفراد المجتمع، والعلاقة مع مؤسسات الدولة. ولذلك، لا يكفي تفسير هذه الممارسات بالغضب الاجتماعي، من دون مساءلة المسؤولية الفردية، ودور التربية، ومدى حضور القيم المعلنة في السلوك الفعلي.

في الخلاصة:

بدأنا نلمس الفجوة بين القيم التي تتغنّى بها فرنسا، كالعدالة والتسامح وحقوق الإنسان، وبين الواقع الميداني الذي تكشف فيه مشاهد الشغب والنهب والتخريب، إلى جانب الخطاب الاستعلائي تجاه الآخرين، تناقضًا واضحًا بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية.

 

وتزداد هذه الفجوة وضوحًا حين تُربط المسلكيات العنيفة داخل فرنسا بالواقع السوسيولوجي ويُفكّ ارتباطها بالثقافة، بينما تُستخدم ممارسات مشابهة لدى الآخرين لإدانة ثقافاتهم وأديانهم والتشكيك في تحضّرهم.

 

كل ذلك يكشف عن تناقض حقيقي حين يُستخدم الخطاب القيمي أداةً دبلوماسية وصورةً مثالية موجّهة إلى الخارج، بينما يعاني الداخل من تصدّعات اجتماعية وثقافية تظهر في سلوكيات عنيفة تتعارض مع تلك المبادئ المتغنّى بها.

 

فمن يضع نفسه في موقع الواعظ الحضاري للشعوب، عليه أن يقبل إخضاع نفسه للمعايير ذاتها التي يحاكم بها غيره؛ وإلّا فقد ادّعاؤه بالتفوّق الأخلاقي صدقيته.

ختاما، لا يمكننا ونحن نتحدث عن مجموعة القيم إلا أن نلحظ تنامي دور اليسار المؤيد للقضايا العربية وفي مقدمها قضية فلسطين، والخشية هنا من ان يكون علم فلسطين الملاصق لبعض عمليات التخريب غير المبررة والتي تستهدف الاماكن العامة وبعض الابنية ذات الرمزية، هو عملية مقصودة لتقليب الرأي العام الفرنسي على قضية فلسطين وتوظيف ما يحصل ضد اليسار الجديد…

ونسأل: من هو المستفيد جراء كل ذلك؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى