رأيسياسةمحليات لبنانية

ماذا بعد نزع السلاح وتخلي الدولة اللبنانية عن دورها؟ (زينب إسماعيل)

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

ليس السؤال في لبنان اليوم كيف يُنزع السلاح، بل من يملك الجرأة ليشرح ما الذي ينتظر البلاد بعد ذلك، ومن يتحمّل نتيجته إذا انهار كل شيء.

لنفترض، جدلًا، أن الدولة نجحت تحت ضغط دولي وإقليمي في إنهاء سلاح حزب الله، بينما بقي الجيش اللبناني من دون تسليح كافٍ ومن دون قدرة ردع فعلية. ماذا يعني ذلك عمليًا؟

يعني جنوبًا مكشوفًا، ودولة بلا مظلة حماية، ومجتمعًا يُطلب منه أن يراهن على “النيات الحسنة” في منطقة لا تعترف بالنيات أصلًا.

في بيئة مثل جنوب لبنان، لا يظهر مفهوم “المقاومة” كترف فكري أو خيار أيديولوجي، بل كنتيجة مباشرة لشعور مستمر بأن الدولة غائبة، أو عاجزة، أو تُدار بمنطق التوازنات لا بمنطق الحماية. وعندها لا يعود السؤال: هل نواجه؟ بل: من يمنع تكرار الخطر إذا تخلّت الدولة عن دورها؟

التاريخ اللبناني لا يُسجّل نزع سلاحٍ حقيقيًا بقرار سياسي صلب، بل يُسجّل دائمًا إعادة تدوير للسلاح بأشكال مختلفة. كل فراغ أمني لا يبقى فارغًا، بل يتحوّل إلى ساحة مفتوحة لقوى جديدة، بعضها أكثر فوضوية، وبعضها أقل قابلية للضبط، وبعضها مرتبط مباشرة بالخارج بلا أي غطاء داخلي.

لكن الأخطر ليس في “وجود السلاح” بحد ذاته، بل في لحظة تفكيكه في ظل دولة لا تمتلك أدوات بديلة. هنا لا نتحدث عن انتقال إلى الاستقرار، بل عن انتقال إلى هشاشة مُعلنة، تُدار فيها البلاد بشعارات سياسية فيما الواقع الأمني يُعاد تشكيله خارج المؤسسات.

وهنا يجب تسمية الأمور بأسمائها:

 المشكلة ليست في السلاح وحده، بل في طبقة سياسية تُقدَّم كبديل للدولة، بينما تاريخها في بناء الدولة هو تاريخ طويل من العجز، والتسويات المؤقتة، وإدارة الأزمات بدل حلّها. هذه الطبقة تطلب قرارات مصيرية تتعلق بالأمن الوطني، لكنها لا تقدم أي ضمانة فعلية لما بعد تلك القرارات.

وفي ظل الحديث المتصاعد عن مسار تفاوض مباشر مع إسرائيل، يصبح السؤال أكثر قسوة: هل يُطلب نزع السلاح كخطوة نحو الاستقرار، أم كشرط سياسي لإعادة رسم ميزان القوة داخل لبنان على حساب الداخل نفسه؟

إذا كانت المعادلة هي “خفض التوتر مقابل ضمان الأمن”، فإن جوهرها يبقى معلقًا على نقطة واحدة: من يملك القدرة الفعلية على الحماية بعد إزالة عناصر الردع غير الرسمية؟

السلاح يُقدَّم كعقبة، لكن البديل غير موجود. والضمانات تُقدَّم كحل، لكنها غير مُختبَرة. وبين الاثنين، يُطلب من بلدٍ هشّ أصلًا أن يدخل تجربة تفكيك أدواته الأمنية من دون شبكة أمان حقيقية.

وهنا السؤال الذي تتجنبه كل الخطابات الرسمية:

هل يمكن لدولة تُدار بأزمة ثقة مزمنة، وبطبقة سياسية لم تنجح في بناء أبسط مؤسساتها، أن تتحمّل قرارًا بإزالة آخر أدوات الردع قبل تثبيت بديل فعلي؟

أم أن ما يُطلب ببساطة هو نقل البلد من “أمن ناقص” إلى “فراغ كامل”… وإدارته لاحقًا بالشعارات والوعود؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى