ليسوا التجار.. بل النظام المالي المترنح (أسامة مشيمش)

بقلم د.أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
يشكّل أي ارتفاع في أسعار البنزين ومشتقاته نقطة تحوّل مباشرة في المشهد المعيشي، إذ لا يقتصر تأثيره على كلفة التنقّل فحسب، بل ينسحب تلقائياً على مختلف السلع والخدمات. فالمحروقات عنصر أساسي في كلفة الإنتاج والنقل والتخزين، وبالتالي فإن أي زيادة عليها تُترجم حكماً بارتفاع في الأسعار على رفوف المتاجر وفي فواتير الخدمات. هذه قاعدة اقتصادية بديهية، وليست ترفاً تحليلياً.
عند كل موجة ارتفاع، تتسابق الجهات الرسمية المعنية بالشأن المعيشي إلى إصدار بيانات تتحدث عن “جشع التجار” و”استغلال المستوردين”، وتتوعد بحملات رقابية وإجراءات عقابية. غير أن هذا الخطاب، وإن لاقى صدى عاطفياً لدى المواطنين المتضررين، يتغافل عن جوهر المشكلة. فالتاجر، في نهاية المطاف، يعمل ضمن منظومة كلفة محددة، وإذا ارتفعت كلفة النقل والطاقة والتمويل، فمن الطبيعي أن يعكس ذلك على سعر البيع حفاظاً على هامش ربحه واستمرارية عمله.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في التاجر ولا في المستورد بقدر ما تكمن في النظام المالي والاقتصادي القائم على منطق الترقيع. نعالج فتقاً في جانب، فيظهر الخلل في جانب آخر. تُفرض زيادات ورسوم تحت عناوين متعددة، من دون رؤية شاملة لإدارة الأثر التضخمي المتراكم. تُتخذ قرارات آنية لسد فجوات مالية، من دون إصلاح بنيوي يعالج جذور الأزمة.
إن الاقتصاد لا يُدار بردود الفعل ولا بالشعارات. حين ترتفع أسعار المحروقات، ترتفع معها كلفة سلسلة الإمداد بأكملها: من المصنع إلى المستودع، ومن المستودع إلى المتجر، وصولاً إلى المستهلك. كما ترتفع كلفة تشغيل المولدات الكهربائية الخاصة، وكلفة الخدمات اللوجستية، وحتى كلفة الإنتاج الزراعي والصناعي. وفي ظل غياب دعم إنتاجي حقيقي أو بنية تحتية مستقرة للطاقة، يصبح المستهلك الحلقة الأضعف التي تتحمل النتيجة النهائية.
الخلل الأعمق يتمثل في غياب سياسة مالية متماسكة. فالضرائب والرسوم تُعدّل من دون خطة نمو موازية، والإنفاق العام يُدار بمنطق الاستمرارية لا بمنطق الكفاءة، فيما الإصلاحات البنيوية المؤجلة تترك الاقتصاد في حالة هشاشة دائمة. إن نظاماً مالياً مترهلاً، يقوم على المعالجات الظرفية بدل الإصلاح الجذري، لا يمكنه أن يؤسس لاستقرار سعري أو نقدي مستدام.
من السهل توجيه الاتهام إلى التجار، ومن السهل إطلاق حملات إعلامية تركز على “الاحتكار” و”الطمع”. لكن الأصعب هو الاعتراف بأن الأزمة بنيوية، وأن إدارة الاقتصاد تتطلب رؤية استراتيجية تتكامل فيها السياسة النقدية مع السياسة المالية، وتُعطى الأولوية لتحفيز الإنتاج المحلي، وضبط العجز، وإعادة هيكلة الإنفاق العام على أسس شفافة وعادلة.
إن المواطن الذي يئن تحت وطأة الغلاء لا يحتاج إلى خطابات شعبوية، بل إلى إدارة رشيدة تعالج الأسباب لا النتائج. فالمشكلة ليست في بائع التجزئة الذي يحاول تغطية كلفته، ولا في المستورد الذي يسدد فواتير بالدولار في سوق متقلب، بل في منظومة مالية متهالكة تعجز عن بناء توازن مستدام بين الإيرادات والنفقات، وبين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.
إن إصلاح النظام المالي لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. فالاقتصاد الذي لا يصلح لإدارة مرفق بسيط، كيف له أن يدير دولة بكل تعقيداتها؟ الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالمشكلة الحقيقية، وبالانتقال من منطق الترقيع إلى منطق البناء المؤسسي الشامل.



