لماذا تراجع سعر الذهب رغم الأساسيات الداعمة؟(عماد عكوش)

بقلم الدكتور عماد عكوش – الحوارنيوز
رغم المتانة الواضحة في العوامل الهيكلية الداعمة لأسعار الذهب على المدى المتوسط والطويل، شهد المعدن الأصفر تراجعًا ملحوظًا ، وهو تراجع لا يمكن فصله عن تغيرات آنية في مؤشر المخاطر العالمية، وسلوك الصناديق الاستثمارية والسيادية، إضافة إلى تحركات مؤشر الدولار الأمريكي.
شهدت الأسواق العالمية خلال الساعات الأخيرة انخفاضًا نسبيًا في مؤشر المخاطر (Risk Index)، نتيجة:
• تراجع حدة المخاوف الجيوسياسية الآنية ، ولو مؤقتًا
• صدور بيانات اقتصادية أمريكية أقل سلبية من المتوقع
• عودة التفاؤل النسبي بإمكانية “الهبوط الناعم” للاقتصاد الأمريكي
هذا التراجع في منسوب القلق دفع شريحة من المستثمرين إلى تقليص مراكز التحوّط التي كانت متركزة في الذهب، والعودة جزئيًا إلى الأصول ذات المخاطر الأعلى، مثل الأسهم أو السندات قصيرة الأجل، ما ولّد ضغط بيع مباشر على سعر الذهب.
من جهة ثانية تلعب الصناديق السيادية وصناديق التحوط دورًا محوريًا في تحركات الذهب قصيرة الأجل.
واليوم، يمكن رصد عاملين أساسيين:
1. جني أرباح تقني بعد بلوغ الذهب مستويات تاريخية مرتفعة خلال الفترة الماضية، لجأت بعض الصناديق الكبرى إلى تسييل جزئي للمراكز بهدف:
o إعادة التوازن للمحافظ
o تثبيت الأرباح
o تخفيف الانكشاف على أصل واحد بعد صعود حاد
2. إعادة توزيع الأصول (Asset Reallocation) مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية قصيرة الأجل نسبيًا، قامت بعض الصناديق بتحويل جزء من السيولة من الذهب إلى أدوات نقدية أو سندية، وهو ما ضغط على الأسعار دون أن يعني تغييرًا استراتيجيًا في النظرة طويلة الأجل للذهب.
اما بخصوص قوة مؤشر الدولار وتأثيرها المباشر فقد كان صعود مؤشر الدولار الأمريكي أحد أبرز العوامل المباشرة وراء انخفاض الذهب اليوم.
اقتصاديًا:
• العلاقة بين الذهب والدولار عكسية بطبيعتها
• ارتفاع الدولار يجعل الذهب أغلى كلفة على حائزي العملات الأخرى
• هذا يؤدي تلقائيًا إلى انخفاض الطلب الاستثماري قصير الأجل
وقد استفاد الدولار من:
• تحسن نسبي في البيانات الاقتصادية الأمريكية
• تراجع رهانات السوق على خفض سريع للفائدة
• ارتفاع العوائد الحقيقية (Real Yields) ولو بشكل مؤقت
ما عزّز جاذبية الدولار كملاذ نقدي قصير الأجل على حساب الذهب.
من منظور اقتصادي ومالي بحت، الانخفاض الحالي لا يعكس انعكاسًا في الاتجاه العام للذهب، بل يُصنّف ضمن:
• تصحيح سعري طبيعي
• تفاعل مرحلي مع متغيرات نقدية ومزاجية قصيرة الأجل
فالأساسيات الكبرى ما زالت قائمة:
• توسّع الدين العالمي
• استمرار مشتريات البنوك المركزية
• هشاشة التوازنات الجيوسياسية
• احتمالات التباطؤ أو الركود العالمي
باختصار ما شهدناه اليوم هو تراجع تقني ومزاجي ناتج عن:
• انخفاض مؤقت في مؤشر المخاطر
• جني أرباح من قبل الصناديق السيادية والاستثمارية
• صعود الدولار الأمريكي وعوائده
لكن هذا التراجع، في القراءة الاستراتيجية، لا ينفي الدور التحوّطي للذهب ولا يبدّل موقعه كأحد أهم أصول حفظ القيمة في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين. بعبارة مختصرة الذهب تراجع اليوم لأن السوق هدأت مؤقتًا… لا لأن المخاطر اختفت.



