رأي

لبنان بين نارين: حين يُقصف الجنوب… ويُصنَّع العدو في الداخل (زينب إسماعيل)

 

 

زينب اسماعيل – الحوارنيوز

 

ليست صدفة أن ترتفع الأبواق الإعلامية في هذا التوقيت بالذات،

وليست زلّة عابرة أن يتقدّم خطاب الفتنة إلى الواجهة فيما الجنوب تحت النار.

ما يجري ليس فوضى.

ما يجري هو إعادة توجيه متعمّدة للغضب:

من العدو… إلى الداخل،

ومن الأرض التي تُقصف… إلى الناس الذين اقتُلعوا منها قسرًا.

في لحظة يُفترض أن تتوحّد فيها الجبهة الداخلية، يُفتح نقاش من نوع آخر:

كيف يُستقبل النازح؟

وأين يُسمح له أن يقيم؟

وكأن المشكلة لم تعد في القصف… بل في الضحية نفسها.

أيُعقل أن يتحوّل ابن الجنوب، الذي هُجّر تحت النار، إلى موضع شكّ؟

أيُعقل أن يُدفع للدفاع عن حقّه في الانتماء، بدل أن يُحتضن كجزء من هذا الوطن؟

هنا لا نتحدث عن خلل عابر،

بل عن انقلاب في المعايير:

حيث يُبرَّر القصف بالصمت،

ويُدان الضحية بالصوت.

أهل الجنوب ليسوا تفصيلاً جغرافيًا،

بل ذاكرة حيّة لهذه البلاد.

هم الذين حملوا مواسمهم في شتلة التبغ،

وغرسوا صمودهم في غصن الزيتون،

وربطوا بقاءهم بكل شبرٍ من ترابهم.

هؤلاء لا يغادرون أرضهم…

حتى حين يُجبرون على الرحيل عنها.

لكن الخطر اليوم لم يعد محصورًا في العدوان الخارجي،

بل بات يتسلل من الداخل،

عبر خطابٍ لا يكتفي بالتحريض،

بل يعيد تعريف “العدو” ليصبح أقرب… وأكثر خطورة.

وهنا، لا يكفي الاستنكار.

السؤال الحقيقي:

من يحاسب منصّات التحريض؟

من يضع حدًا لخطابٍ يُختبر يوميًا كشرارة محتملة لحرب أهلية؟

لأن الصمت هنا… ليس حيادًا،

بل شراكة غير معلنة في صناعة الانفجار.

وفي موازاة ذلك، يبرز مشهد أكثر إيلامًا:

دولة تتراجع… حتى في لغتها.

أليس من الغريب أن ينحدر خطاب رأس الدولة إلى حدّ الإعلان، وبكل صراحة،

عن اتصالات أُجريت لتصليح “قصطل مياه” قُصف؟

هل هذه هي السيادة؟

هل أصبحت الدولة مجرّد مكتب صيانة يتابع أضرار القصف… بدل أن يمنعه؟

أي منطق هذا الذي يطلب من شعبٍ “الهدوء”،

فيما أرضه تُنتهك يوميًا؟

وأي عدالة تلك التي تجرؤ على لوم من يقاوم،

بينما تعجز حتى عن حماية من يُستهدف؟

لقد جُرّبت المفاوضات،

وأُعلنت التهدئات،

لكن النتيجة كانت واحدة:

لبنان بقي مستباحًا،

يُقصف، ويُخترق، ويُدفع تدريجيًا إلى موقع المتلقي… لا الفاعل.

أمام هذا الواقع، يصبح الخطر مزدوجًا:

عدوان خارجي مستمر،

وتآكل داخلي صامت.

والأخطر… ليس أيًّا منهما على حدة،

بل لحظة التقائهما.

في الخلفية، لا يمكن فصل ما يجري عن السياق الإقليمي الأوسع.

لبنان لم يكن يومًا خارج صراعات المنطقة،

بل كان غالبًا ساحة تُختبر فيها التوازنات.

لكن ما نشهده اليوم يتجاوز الانقسام العفوي،

إلى توظيف سياسي واضح للشرخ الداخلي،

إما لاحتواء تداعيات المواجهة،

أو لإعادة رسم توازنات تحت ضغط النار.

وهنا تتحول الفتنة من خطر…

إلى أداة.

وهذا أخطر ما في الأمر.

لأن البلد، في هذه الحالة، لا ينهار نتيجة الانقسام،

بل يُدار من خلاله.

هذا يضع الدولة أمام امتحان لا يقبل التأجيل:

إما أن تكون ضامنة لوحدة الداخل،

أو أن تتحول- مرة جديدة- إلى ساحة تُدار فيها الصراعات.

اليوم، لم يعد الالتفاف الشعبي خيارًا أخلاقيًا،

بل شرط بقاء.

واحتضان النازحين ليس فعلاً إنسانيًا فقط،

بل إعلان واضح:

أن هذا البلد… لم يفقد نفسه بعد.

لأن الحرب، مهما طالت، ستنتهي.

لكن ما بعدها…

هو ما سيكشف حقيقة الجميع.

هناك، لن تُجدي الشعارات.

ستبقى الأسئلة فقط:

من حرّض؟

من صمت؟

من قصّر؟

ومن ساهم- بقصد أو بجهل- في دفع البلاد نحو الهاوية؟

المحاسبة آتية.

أما اليوم،

فالمعركة لم تعد فقط على الحدود.

المعركة في الداخل أيضًا:

إما أن يبقى اللبنانيون شعبًا واحدًا…

أو يتحولوا، بفعل التحريض والتواطؤ،

إلى شظايا وطن.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى