رأي

كندا تتجه شرقا!(وائل أبو الحسن)

 

وائل فايز أبو الحسن* – الحوارنيوز-  المكسيك

 

كندا تتجه شرقًا، ففي السياسة الدولية لا مكان للعواطف ولا للخطابات الشعبوية، إذ تُدار الدول وفق منطق المصالح لا وفق منطق الاستعراض. من هنا لا يبدو التوجّه الكندي شرقًا حدثًا عابرًا، بل تعبيرًا عن إدراك متزايد بأن النظام الدولي يشهد تحوّلات عميقة، وأن الارتهان لسياسات قصيرة الأمد لم يعد خيارًا عقلانيًا.

في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي تقديم سلسلة من المسرحيات السياسية والبهلوانيات الإعلامية، يُسوّق لها أنصاره على أنها إنجازات كبرى على مختلف المستويات. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن هذه السياسات، البعيدة عن الحكمة والتخطيط الاستراتيجي، مرشحة لإنتاج نتائج كارثية، لا عليه شخصيًا فحسب، بل على محيطه الضيق وشركائه في اتخاذ قرارات اتسمت بالتهور أكثر مما اتسمت بالمسؤولية.

الأخطر أن تداعيات هذه السياسات لن تتوقف عند حدود واشنطن، بل ستطال تلك المجموعات والشخصيات السياسية الطارئة في عدد من الدول، التي صعدت متأثرة بما يمكن تسميته ظاهرة ترامب، وبنت حضورها على خطاب شعبوي أجوف. هؤلاء سيجدون أنفسهم بعد الانتخابات النصفية الأميركية خارج المشهد، بلا غطاء سياسي ولا دعم، بعدما تتبدد أوهام القوة التي استندوا إليها.

ومع اقتراب نهاية الولاية الرئاسية، إن كُتب لها أن تكتمل، سيبدأ الانهيار التدريجي لكل ما جرى بناؤه داخليًا وخارجيًا. حينها ستنكشف حقيقة ما وُصف بالإنجازات الكبرى، لتتحول إلى وقائع واهية يطويها التاريخ بوصفها مرحلة من التضليل السياسي. فلا اتفاق فُرض بالقوة سيصمد، ولا تسوية وُقّعت تحت الضغط ستدوم، ولا قرار اتُّخذ بمنطق الاستعراض سيحافظ على مفاعيله بعد زوال صاحبه.

وإذا كان انهيار هذه السياسات متوقعًا، فإن الكلفة الحقيقية تكمن في ما ستخلّفه من دمار طويل الأمد، إذ سيترك هذا النهج وراءه أضرارًا جسيمة وبذور صراعات جديدة ستمتد لعقود مقبلة، فضلًا عن أزمات داخلية عميقة داخل الولايات المتحدة نفسها، تتجلى في حالة فرز وانقسام غير مسبوقة في التاريخ الأميركي المعاصر.

أما على المستوى العالمي، فإن صورة الولايات المتحدة ستدفع ثمنًا باهظًا، مع تصاعد مشاعر الرفض والكراهية تجاه الأميركيين، نتيجة سياسات ضربت قواعد الشراكة والاحترام المتبادل، وكرّست منطق الإملاء بدل الحوار.

في المحصلة، قد يستمتع الرئيس اليوم بعرض عابر، لكن السياسة لا تُقاس بالضجيج الآني، بل بنتائجها التراكمية. والوقت وحده كفيل بإظهار مدى صوابية هذه القراءة من عدمها.

 

*محام مغترب مقيم في المكسيك

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى