رأي

بين النكبة واتفاقية القاهرة:وقائع جنوبية لا تحتمل الجدل !(حسن عماشا)

 

كتب حسن عماشا  –الحوارنيوز

 

يزعم سمير جعجع، ومن فوقه وتحته، أن الجنوب عاش فترة استقرار وأمن على الحدود من عام 1949 إلى عام 1969، إلى أن بدأت عمليات عبر الحدود للمقاومة الفلسطينية، ثم المقاومة الوطنية، وبعدها المقاومة الإسلامية، ما جعل الجنوب مستباحًا.

إن هذه السردية الملفّقة والكاذبة لا تُضلِّل الوقائع فحسب، بل تتعمّد تحديد تاريخ ما يُسمّى «الاستقرار» ابتداءً من عام 1969، تجنّبًا لما سبقه من جرائم ارتكبتها العصابات الصهيونية من مجازر واحتلال لقرى الحدود، أبرزها مجزرة حولا التي ذهب ضحيتها 105 شهداء.

إضافةً إلى ذلك، ثمة إنكار لاحتلال القرى السبع وتهجير جميع سكانها، وهم الذين أُنكرت عليهم لبنانيتهم وحُمِلوا هويات «قيد الدرس»، فلا هم فلسطينيون ولا لبنانيون، إلى أن صدر مرسوم التجنيس عام 1994 واعتُبروا مجنّسين. وهم أنفسهم الذين لم يتمتّعوا بحقوقهم المدنية حتى عام 2004. وأهم ما يُذكر عن القرى السبع هو معركة المالكية في مواجهة العصابات الصهيونية، التي خاضتها حامية الجيش اللبناني بقيادة الضابط الشهيد محمد زغيب.

إلى أن جرى توقيع اتفاقية الهدنة بين لبنان والكيان الصهيوني عام 1949، والتي نصّت على تحديد حجم القوة العسكرية وعتادها وتسليحها وعديدها، على ألّا يتجاوز 1500 جندي وضابط، وألّا تتسلّح بأي مدفعية أو أي نوع من الأسلحة كالدبابات وما شابه، بما قد يطال المستوطنات، إضافةً إلى ملاحقة أي مسلّح في قرى الجنوب، ضمن ترتيبات أمنية في عمق يتراوح بين عشرة وخمسة عشر كيلومترًا عن الحدود.

وتضمّن خط الهدنة منطقةً عازلة على طول الحدود من البحر غربًا إلى سوريا شرقًا، ويتراوح عرضها بين ثلاثة وخمسة كيلومترات (ولنا عودة إلى هذا الخط). وقد تجاهل جعجع القرى التي احتلّها العدو، فضلًا عن القرى السبع، وبحسب ما يذكر الدكتور عصام خليفة، ووفق الحدود المرسومة عام 1922، فإنها تضم إلى لبنان 52 قرية ومزرعة احتلتها العصابات الصهيونية.

أما الترتيبات الأمنية التي كان ينفّذها الجيش اللبناني، فتمثّلت في ملاحقة أي مسلّح ضمن المنطقة الأمنية بعمق يتراوح بين 10 و15 كيلومترًا، وكان يُلاحق أي شخص ضمن هذه المنطقة حتى ولو كان غير مسلّح، باعتباره مُحرِّضًا ضد «إسرائيل». كما شملت هذه الترتيبات منع التجوّل ليلًا في كل قرى الحدود من السادسة مساءً إلى السادسة صباحًا، وإذا أراد أي شخص الدخول إلى هذا الشريط لقضاء حاجة أو زيارة اجتماعية، كان عليه الحصول على تصريح من الجيش يُحدِّد فيه هدف الزيارة ومدتها وصلة الزائر بمن ينوي زيارته والغاية منها.

في المقابل، كان الصهاينة يمارسون اعتداءات يومية على القرى الحدودية، من قنص الفلاحين في أراضيهم إلى الدخول إلى القرى واعتقال أشخاص منها. وبدل أن يقوم الجيش بحماية الأهالي، كان يعتقل من تُفرج عنه قوات الاحتلال بعد خطفه، ويُحقِّق معه عن أسباب خطفه.

وبالعودة إلى خط الهدنة، الذي يتراوح عرضه بين 3 و5 كيلومترات، وهو منطقة عمل المراقبين الدوليين للهدنة، فقد قامت قوات الاحتلال بقضم هذه المساحة كاملةً بين عامي 1949 و1967، من دون أن يُسجِّل لبنان أي اعتراض على ذلك. وأنشأ العدو في هذه الأراضي مزارع وبساتين نظّمتها شركات استثمارية صهيونية، مستغلّةً أحد بنود الاتفاقية الذي ينص على حق الفلاحين العمل في أراضيهم، وكان المفروض أن يكون هذا الحق للبنانيين. وكانت هذه المنطقة تحت سلطة الأمم المتحدة عبر المراقبين الدوليين، وجميع الخروقات فيها مُدوّنة في تقارير هذه القوة، التي سجّلت آلاف الخروقات من الجانب «الإسرائيلي»، من دون أن تُحرّك «الدولة» اللبنانية ساكنًا. والجدير بالذكر أن القوة المراقِبة لا تملك أي صلاحية تمنع الخروقات.

كل ما ذُكر يحصل اليوم، بمعظم حذافيره إن لم يكن أكثر، وها هو التاريخ يعيد نفسه بكل التفاصيل.

أما حول زعم جعجع بأن المقاومة الفلسطينية هي من بدأت بشن عمليات ضد «إسرائيل»، فهذا صحيح من حيث الشكل، لكن الواقع أن الجنوبيين لم يجدوا من يحميهم ويُسلّحهم للدفاع عن أنفسهم وأرضهم سوى المقاومة الفلسطينية. وكانت عمليات التصدّي للاعتداءات الصهيونية تقوم على أيدي أبناء القرى المستهدفة، وأكثر من قام بها، على وجه الخصوص، هم أبناء القرى السبع الذين شُرِّدوا من أرضهم وتوزّعوا في القرى الحدودية المجاورة، فأصبح بعضهم جزءًا من أهلها، فيما أقام البعض الآخر في ما يشبه المخيمات الفلسطينية في منطقة صور.

كان العنوان «المقاومة الفلسطينية»، إلا أن المقاومين بمعظمهم كانوا لبنانيين. ومع تعاظم دور وقوة مجموعات المقاومة وإنشائهم قواعد ثابتة في الأودية والمغارات، والتحاق وطنيين لبنانيين من مختلف المناطق، إلى جانب فلسطينيين وعرب من بلدان عدة، فُرض واقع داخلي قوي وفعّال أجبر «الدولة» اللبنانية على عقد اتفاقية القاهرة لصالح منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970، والتي كانت تمثّل إطار المقاومة العربية للاحتلال الصهيوني.

واتُّفق على اعتبار منطقة العرقوب منطقة العمل الفدائي، وما عُرف لاحقًا بتعبير «فتح لاند». وهنا لم تعد الاستباحة الصهيونية متاحة من دون حسيب أو رقيب أو ردّ فعل، على عكس ما يصوّره جعجع. صحيح أن الاعتداءات لم تتوقف، لكنها أصبحت محدودة، وليست كما كان يُوصَف بأن الفرقة الموسيقية في الجيش «الصهيوني» يمكنها احتلال لبنان.

وعلى خطّ آخر، نشأت حركة «الحرس الوطني» بشكل أساسي من الشيوعيين اللبنانيين، الذين تولّوا حراسة القرى الحدودية ومواجهة تسلّل العصابات الصهيونية.

ما تُغفله القوى السياسية اليمينية اللبنانية، عن قصد أو غير قصد، هو أن أول اجتياح «إسرائيلي» للجنوب حصل عام 1972، ووصلت قوات الاحتلال إلى بلدة جويا في قضاء صور، بعد أن تعطّلت بفعل المتغيّرات في موازين القوى الداخلية الترتيبات الأمنية التي كانت تضمن أمن المستوطنات والمُوكلة إلى الجيش اللبناني. وقد قامت قوات الاحتلال باعتقال العشرات من كل القرى التي دخلتها.

وكان معظم المعتقلين من قبل إسرائيل، قوة الاحتلال، يُعتقلون بالشبهة والاستنسابية، ثم يُسلَّمون بعد فترة إلى الجيش اللبناني، الذي كان بدوره يُبقيهم محتجزين لديه ويُحقِّق معهم لفترات طويلة، تجاوزت مدة خطفهم من قبل قوات الاحتلال، ما أسقط تمامًا ثقة أهل الجنوب عمومًا بالجيش اللبناني. ونذكر هنا تظاهرة بنت جبيل عام 1972 ضد الجيش ومع العمل الفدائي، التي تصدّرتها النساء.

ما تقدّم ليس إلا لوضع الأحداث في سياقها الطبيعي، ردًّا على منطق وسردية المتصهينين اليوم، الذين يُمثّل سمير جعجع أحد أبرز رموزهم. ولا تقتصر هذه السردية عليه أو على حزب القوات، بل يروّج لها كل المتصهينين من مختلف المناطق والطوائف.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى