
بقلم العميد م. بهاء حلال- الحوارنيوز
تشير القراءة المتأنية لمسار الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية–الإيرانية إلى أنها لم تفشل بالمعنى الحاسم، بل تعثرت ضمن سياق تفاوضي معقد ومفتوح على احتمالات متعددة. فالمواقف المعلنة من الطرفين، وكذلك من الوسيط الباكستاني، عكست قناعة مشتركة بأن الانزلاق إلى فشل كامل ليس خياراً مفضلاً، بل إن الحاجة إلى استمرار التفاوض تفرض نفسها بحكم توازنات القوة والمصالح.
ورغم المؤشرات السلبية التي ظهرت، بما في ذلك التوتر الأميركي في ختام الجولة، فإن غياب قرار فوري بالعودة إلى الحرب، واستمرار الالتزام النسبي بوقف إطلاق النار المؤقت، يعكسان أن التصعيد لا يزال أداة ضغط وليس خياراً نهائياً. في المقابل، يتمسك الجانب الإيراني بخطاب تصعيدي محسوب، يدرك من خلاله أن الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة لا يخدم مصالحه الاستراتيجية في هذه المرحلة.
أسباب التعثر: صراع الأولويات لا صراع الحلول
يمكن تفسير تعثر الجولة الأولى من خلال عاملين رئيسيين:
أولاً: مضيق هرمز
يمثل المضيق نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، ليس فقط لكونه ممراً حيوياً للطاقة، بل لأنه أداة ضغط استراتيجية بيد إيران. أي نقاش حوله يتجاوز البعد البحري إلى إعادة تعريف موازين الردع في الخليج، وهو ما يجعل الولايات المتحدة تتعامل معه كخط أحمر، فيما تعتبره إيران ورقة تفاوض سيادية.
ثانياً: ملف لبنان
برز الخلاف بوضوح حول إدراج الملف اللبناني ضمن التفاوض. فبينما ضغطت إيران لطرحه باعتباره جزءاً من منظومة الامن الإقليمي، رفضت الولايات المتحدة هذا الربط، في محاولة لفصل المسارات وتقليص نطاق التفاوض. هذا التباين يعكس صراعاً أعمق حول مفهوم “وحدة الساحات” والذي انتقل الى وحدة الجبهات مقابل “تفكيك الملفات”، وهو أحد أبرز إشكاليات التفاوض المعاصر.
التفاعلات الدولية: فرح حذر ومصالح متقاطعة
أثار تعثر المفاوضات ردود فعل متباينة دولياً. فالأوروبيون، رغم قلقهم من تداعيات التوتر على أمن الطاقة، وجدوا في التعثر فرصة للحد من اندفاعة أميركية أحادية قد تعيد تشكيل التوازنات العالمية. أما روسيا والصين، فلا تبدوان منزعجتين، إذ يخدم استمرار الضغط على واشنطن ضمن استراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد.
داخلياً في الولايات المتحدة، يبدو أن جزءاً من النخبة السياسية، خصوصاً في الحزب الديمقراطي، ينظر إلى التعثر كفرصة لإضعاف خصومه الجمهوريين في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ما يضيف بعداً داخلياً مؤثراً على القرار الخارجي.
بين التصعيد والتفاوض: إدارة الحافة
التلميحات الأميركية إلى إمكانية فرض حصار بحري على إيران تعكس انتقالاً إلى سياسة “حافة الهاوية”، حيث يتم رفع مستوى الضغط دون الانخراط المباشر في الحرب. هذه الاستراتيجية تهدف إلى انتزاع تنازلات تفاوضية، لكنها تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق غير المحسوب نحو مواجهة أوسع.
في المقابل، تعتمد إيران على ما يمكن تسميته “استراتيجية الزمن”، أي إطالة أمد التفاوض لاستنزاف الضغوط وتعديل موازين القوى تدريجياً، وهو أسلوب أثبت فعاليته في تجارب تفاوضية سابقة.
خصوصية هذه المفاوضات
تتميز هذه الجولة بعدة عناصر تجعلها مختلفة عن سابقاتها:
- القيادة التفاوضية الأميركية: تتسم بنزعة حاسمة وميل لاتخاذ قرارات أحادية، ما يزيد من عنصر عدم اليقين.
- التحول في البنية الإيرانية: غياب القيادة التقليدية التي كانت تدير التفاوض سابقاً، وصعود دور المؤسسة العسكرية في رسم المسار التفاوضي.
- السياق العسكري السابق: تأتي هذه المفاوضات بعد مواجهة مباشرة، ما يرفع منسوب التوتر ويجعلها أقرب إلى “تفاوض تحت النار”.
- التمثيل الإقليمي: مشاركة شخصيات مرتبطة بمحور إيران الإقليمي تعكس تمسك طهران بربط الملفات وعدم التخلي عن حلفائها.
- الطابع المباشر: الجلوس المباشر بين الطرفين يضفي جدية، لكنه في الوقت نفسه يختصر المسافات ويكشف عمق الخلافات.
نحو الجولة الثانية: إعادة تموضع لا تسوية
المعطيات الحالية تشير إلى أن الجولة الثانية، إن عُقدت، لن تكون جولة حسم بل جولة إعادة تموضع. فكل طرف يسعى لتحسين شروطه قبل الدخول في تسوية محتملة. الولايات المتحدة ترفع سقف الضغط، وإيران تراهن على الوقت وتماسك محورها.
في المحصلة :
ما يجري ليس مجرد تفاوض ثنائي، بل عملية أوسع لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط. لذلك، فإن فهم هذه المفاوضات يتطلب قراءتها ضمن إطار النظريات الاستراتيجية الكبرى، حيث تتقاطع مفاهيم الردع، توازن القوى، وإدارة الصراعات طويلة الأمد.
وعليه، فإن تعثر الجولة الأولى لا يعني الفشل، بل هو جزء طبيعي من مسار تفاوضي معقد، تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع حسابات القوة، وتُرسم نتائجه على إيقاع التوازن بين التصعيد والاحتواء.



