قراءة في الخلاف الحدودي العراقي/ السعودي – الكويتي ومقاربته من الناحيتين السياسية والقانونية( وائل ابو الحسن)

وائل فايز أبو الحسن – المكسيك الحوارنيوز
انطلاقا من البيان السعودي الأخير حول الإحداثيات وخريطة سجلتها العراق في الأمم المتحدة، لا يمكن التعاطي مع المسألة كخلاف تقني محدود. نحن أمام ملف يعيد فتح سؤال أعمق بكثير، كيف يُستخدم مفهوم السيادة في منطقتنا، ومتى يكون مبدأ ثابتا، ومتى يتحول إلى أداة سياسية تخضع لموازين القوى.
السعودية والكويت استندتا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإلى قرار مجلس الأمن رقم ٨٣٣ لعام ١٩٩٣ الذي رسم الحدود بين العراق والكويت بعد حرب الخليج. قانونيا يبدو الموقف مستندا إلى نصوص واضحة. لكن التاريخ لا يبدأ عام ١٩٩٠ ولا ينتهي عام ١٩٩٣. فبالنسبة لغالبية العراقيين، بمختلف انتماءاتهم السياسية ومواقفهم من الأنظمة المتعاقبة، مسألة الكويت حق تاريخي يعتبرون أنه انتزع منهم بقرار من الانتداب البريطاني ضمن سياسة إعادة رسم الخرائط وخلق كيانات منفصلة تخدم استمرار النفوذ الاستعماري لعقود طويلة. هذه القناعة متجذرة في الوعي الوطني العراقي، بغض النظر عن النظام القائم في أي مرحلة.
بعد دخول الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى الكويت عام ١٩٩٠، شكلت الولايات المتحدة تحالفا دوليا تحت عنوان حماية سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة وجب تحريرها. لكن في الوقت نفسه طُلب من إسرائيل عدم التورط في الحرب حتى لا يسقط الغطاء العربي وينسحب بعض المشاركين من التحالف. ودخلت سوريا الأسد التحالف مقابل قبول أمريكي بتسليمها ملف لبنان وفرض وصاية استمرت خمسة عشر عاما بعد اتفاق الطائف الذي سُمّي نسبة إلى مدينة الطائف السعودية حيث عُقد المؤتمر برعاية سعودية فرنسية أمريكية.
أين كانت سيادة لبنان في حسابات تلك المرحلة؟ وكيف استُخدم المبدأ ذاته بمرونة سياسية واضحة؟
اليوم تعود لغة السيادة بقوة. لكن إدارة ترامب تحدثت علنا عن ضم كندا، وأبدت رغبة في شراء غرينلاند تحت الضغط والتهديد، وضغطت على بنما لإعفاء السفن الأمريكية من الرسوم في قناة بنما التي كانت الولايات المتحدة تحتلها سابقا، وأجبرت حكومتها على إلغاء عقود مع شركات صينية. وفي فنزويلا تجاوز الأمر حدود العقوبات إلى التدخل المباشر في إدارة الموارد، والإعلان بأن الولايات المتحدة ستشرف على عمليات بيع النفط والثروات الفنزويلية، إضافة إلى إقدامها على خطف رئيس دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة. فكيف يُفهم مفهوم السيادة هنا؟ وهل يُطبّق بمعيار واحد؟
ثم هناك البعد الإسرائيلي، حيث يُشرعن احتلال أراضٍ فلسطينية ويُتحدث عن حق توراتي في السيطرة على كل دول المنطقة، بينما يُرفض بالمطلق أي حديث عراقي عن حق تاريخي. كيف يصبح التاريخ حجة مشروعة في حالة، ومرفوضا بالكامل في حالة أخرى؟ ومن يحدد متى يكون التاريخ مرجعية ومتى يكون تهديدا؟
وفي قلب هذه المعادلة تقف السعودية والكويت، وهما تاريخيا في خانة الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة، واليوم تحديدا في خانة حلفاء ترامب. دول تقدم لواشنطن كل ما يلزم سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وتفتح أسواقها وصفقاتها الكبرى أمام الإدارة الأمريكية و أمام ترامب نفسه و أمام أفراد عائلته .
وفي زمن تُدار فيه السياسة بلغة الصفقات، لا يمكن تجاهل أن الحلقة الضيقة المحيطة بترامب تضم مستثمرين ومطورين عقاريين وأصحاب شركات كبرى في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، وأن مليارات الدولارات من العقود والاستثمارات تتدفق إلى شركاتهم، ومعظمها يرتبط بمراكز القرار. فهل ستبقى هذه العلاقة محصنة إذا فُتح ملف حساس كهذا؟ أم أن المصالح ستفرض إيقاعها على الخطاب القانوني؟
في هذا السياق نحن بانتظار الموقف الأمريكي الرسمي، وبيان الخارجية الأمريكية تحديدا. هنا سيتضح الكثير. هل ستدعم واشنطن الموقف السعودي الكويتي بحزم، وتدين الإحداثيات والخريطة التي سجلتها العراق في الأمم المتحدة باعتبارها خرقا للقانون الدولي؟ أم سيكون موقفها ملتبسا ومرنا بما يفتح الباب أمام قراءة أنها كانت خلف الخطوة ابتداء كورقة ضغط مستقبلية؟ أم أن الصمت أو التردد سيعزز فرضية أن إيران هي من دفعت العراق إلى هذه الزاوية لإحراج الجميع؟
نحن بانتظار لحظة انكشاف المعايير. هل سنشهد مرة جديدة ازدواجية في التطبيق؟ وقاحة سياسية؟ غطرسة قوة عظمى تتحدث عن القانون حين يخدمها وتتجاهله حين يعارض مصالحها؟ أم سيكون هناك التزام واضح بمبدأ واحد لا يتجزأ؟
في السياق ذاته، تبرز فرضيتان خطيرتان حول الإحداثيات والخريطة التي سجلتها العراق في الأمم المتحدة.
الاحتمال الأول أن تكون خطوة مدفوعة أمريكيا لتتحول إلى ورقة ضغط مستقبلية على السعودية والكويت في ملفات الطاقة، أو في أي مواجهة مقبلة مع إيران، أو في مسارات الاتفاقات الإبراهيمية، أو في إعادة ترتيب توازنات الخليج.
الاحتمال الثاني أن تكون خطوة مدفوعة إيرانيا لإحراج السعودية والكويت والولايات المتحدة معا، ووضعهم أمام تناقض سياسي وأخلاقي حاد عنوانه انتقائية تطبيق السيادة، بما قد يفتح الباب أمام توترات جديدة داخل مجلس التعاون نفسه، وصولا إلى زعزعة أمن الخليج عبر بوابة العراق والحدود والحقوق التاريخية.
الأخطر أن يتحول هذا الملف إلى مدخل لإعادة إنتاج أزمات كامنة داخل دول المنطقة، إذا فُتح باب التاريخ على مصراعيه، وإذا جرى التعامل مع القانون الدولي كأداة سياسية لا كمرجعية ثابتة.
السؤال الجوهري ليس فقط من يملك النص القانوني الأقوى، بل من يملك حق تعريف الشرعية. إذا كانت السيادة مبدأ، فيجب أن تُطبق على الجميع دون استثناء. أما إذا كانت تخضع لميزان القوة، فسنكون أمام واقع تُستخدم فيه الخرائط كأوراق تفاوض، وتُستحضر المبادئ حين تخدم، وتُهمّش حين تعيق.
فهل سنرى معيارا واحدا؟ أم سنرى مرة جديدة الكيل بمكيالين؟
المسألة ليست حدودا بحرية فقط، بل اختبار حقيقي لثبات المعايير. فإن لم يكن المعيار واحدا، فإن كل حدود المنطقة تبقى قابلة لإعادة النقاش، وكل ملف مؤجل يمكن أن يعود إلى الواجهة عند أول تبدل في موازين القوى.
*قانوني – مغترب مقيم في المكسيك



