فنزويلا على مفترق تاريخي: بين الحدث الصادم وتعقيدات الأزمة المزمنة (أسامة مشيمش)

بقلم د. أسامة توفيق مشيمش – الحوارنيوز
شهدت فنزويلا حدثا استثنائيًا وغير مسبوق في تاريخها السياسي المعاصر، تمثّل في إعلان الولايات المتحدة الأميركية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد، وفق ما صدر عن البيت الأبيض، على خلفية اتهامات تتعلّق بالاتجار بالمخدرات ودعم شبكات مصنّفة إرهابية. هذا الحدث، بصرف النظر عن المواقف المؤيدة أو الرافضة له، يفتح الباب أمام أسئلة عميقة تتجاوز شخص مادورو إلى بنية النظام الدولي وقواعد التعامل بين الدول.
بحسب الرواية الأميركية، جاءت العملية في سياق ملاحقات قانونية ممتدة منذ سنوات، ورافقتها ضربات استهدفت مواقع عسكرية في العاصمة كراكاس. في المقابل، اعتبرت الحكومة الفنزويلية ما جرى «اختطافًا» وانتهاكًا صارخًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. وبين هاتين الروايتين، يقف المجتمع الدولي أمام مشهد معقّد يصعب اختزاله بتوصيف واحد.
على المستوى الدولي، جاءت ردود الفعل حذرة إلى حدّ كبير. فقد دعت دول أوروبية، وفي مقدّمها ألمانيا، إلى اعتماد الحلول السياسية واحترام القانون الدولي، محذّرة من مخاطر التصعيد وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي. كما صدرت إدانات من بعض دول أميركا اللاتينية اعتبرت العملية تدخّلًا مباشرًا في الشؤون الداخلية الفنزويلية، ما يعكس حجم الانقسام الدولي حول شرعية ما جرى.
لكن لفهم الحدث، لا بدّ من العودة إلى الجذور العميقة للأزمة الفنزويلية. ففنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، عانت لعقود من نموذج اقتصادي ريعي قائم على الاعتماد شبه الكامل على النفط. هذا الاعتماد جعل الاقتصاد هشًا أمام تقلبات الأسعار العالمية، وعرّض المالية العامة لصدمات متكررة، خصوصًا بعد انهيار أسعار النفط عام 2014.
إلى جانب ذلك، تدهورت إدارة قطاع النفط، ولا سيما شركة النفط الوطنية (PDVSA)، نتيجة الفساد وسوء الإدارة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وتقلّص الإيرادات، في وقت كانت الدولة بأمسّ الحاجة إلى الموارد. وتُظهر مؤشرات الفساد أن فنزويلا كانت من بين الدول الأعلى عالميًا في هذا المجال، الأمر الذي ساهم في إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض الثقة الداخلية والخارجية بها.
النتيجة المباشرة كانت انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق: تضخم مفرط بلغ مستويات قياسية، فقدان القدرة على الاستيراد بسبب شحّ العملات الأجنبية، وتراجع حاد في مستوى المعيشة. هذا الواقع دفع ملايين الفنزويليين إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل في دول الجوار، ما جعل الأزمة الفنزويلية واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في أميركا اللاتينية في العقود الأخيرة.
سياسيًا، عانت البلاد من أزمة شرعية متواصلة. فقد اتهمت المعارضة السلطات الحاكمة بتقييد العمل السياسي، والتلاعب بالانتخابات، وقمع الخصوم، بهدف ضمان بقاء مادورو في السلطة. في المقابل، يرى أنصار النظام أن الضغوط الخارجية والعقوبات الدولية لعبت دورًا حاسمًا في تعميق الأزمة، وأن ما جرى مؤخرًا يندرج في إطار محاولة فرض تغيير سياسي من الخارج.
داخليًا، ينقسم الشارع الفنزويلي بوضوح. فهناك من يعتبر أن اعتقال مادورو يمثّل نهاية مرحلة حكم طويلة اتسمت بالأزمات والعزلة، فيما يرى آخرون أن العملية الأميركية تشكّل تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية، وقد تؤدي إلى التفاف جزء من المجتمع حول ما تبقّى من مؤسسات النظام.
أما دوليًا، فلا يمكن فصل ما يجري في فنزويلا عن صراع المصالح والنفوذ. فالعلاقات الوثيقة التي نسجتها كراكاس مع روسيا والصين وإيران خلال السنوات الماضية أثارت مخاوف واشنطن من تمدّد نفوذ خصومها في أميركا اللاتينية. وفي المقابل، يُنظر إلى التحركات الأميركية في المنطقة على أنها استمرار لسياسة الهيمنة، ما يجعل الأزمة الفنزويلية تتجاوز حدودها الوطنية لتصبح جزءًا من معادلة دولية أوسع.
إن الأثر الإنساني والاجتماعي يبقى الأكثر إلحاحًا: نقص في الغذاء والدواء، تدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، واستمرار النزف البشري عبر الهجرة. وهذه الوقائع تفرض أن يكون أي حل مستقبلي شاملًا، لا يقتصر على التغيير السياسي فحسب، بل يعالج جذور الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
في الخلاصة، تطرح التطورات الأخيرة في فنزويلا أسئلة جوهرية: هل ما جرى يمثّل تطبيقًا استثنائيًا للقانون، أم سابقة خطيرة في العلاقات الدولية؟ وهل سيفتح الباب أمام انتقال سياسي منظّم، أم أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار؟
الأكيد أن فنزويلا تقف اليوم على مفترق طرق، وأن مسار الأحداث في الأسابيع المقبلة سيكون حاسمًا، ليس فقط لمستقبلها، بل لاستقرار المنطقة بأسرها.



