عندما ينزف الوطن…(د.علي كويّس)

كتب د.علي كويّس – الحوارنيوز
مائتا الف مواطن هاجروا لبنان سنة ٢٠٢٥ . رقم مرعب وحزين. كثيرون مروا عليه مرور الكرام ، كم أم وأب ذرفوا دمعة فرح ممزوجة بالحزن، لأن أحد ابنا ئهم غادرهم بعيدأ بحثا عن فرصة العمل والرزق الموعودة. بكوا فرحا لأنهم لم يعودوا يطيقون رؤية أبنائهم يحرقون ربيع عمرهم وعطاءهم في وطن بخل عليهم بفرصة عمل وحياة كريمة.
بكوا حزنا ، لأنهم كانوا يحلمون يوما برؤية فلذات أكبادهم . هذه الزهور التي كبرت أن تزين وتعطر خريف ما تبقى من عمرهم …
في مهنة الطب في حالة النزيف، لا نكتفي بتصحيح نقص الدم لكن الأهم أن نبحث سريعأ عن سبب ومصدر النزيف لعلاجه بأسرع وقت، وإلا فعلنا كمن يملأ الدلو المثقوب ويبكي ويندب على مصيبته…
يفاخر أهل السياسة بقدوم ألاف المغتربين في مواسم الصيف والأعياد إلى ربوع الوطن . يفرحون لأن المغتربين يضخون العملات الصعبة في إقتصاد مشلول ومهترئ بسبب فسادهم وفشلهم الذريع في إدارة شؤون البلاد والعباد .
لكن على أهل الحكم والسياسة أن يتذكروا بعض الأمور الهامة في علم الإجتماع والاقتصاد . هم إما لا يعرفونها من جهلهم أو يعرفونها وينكرونها من شدة مكرهم .
أولا إقتصاد يرتكز فقط على أموال الغتربين هو إقتصاد وهمي وغير محمي، خاصة بعد أن نهبت أموال المغتربين في أكبر عملية نصب في تاريخ لبنان، فاقتصرت نفقاتهم لدعم عائلاتهم ولبعض وسائل الترفيه ( إذا استطاعوا إليها سبيلا ، نظرا للغلاء الفاحش وفلتان الأسعار دون حسيب أو رقيب) .
ثانيا هم يعلمون ولا يريدون أن ينظروا إلى الوجه الآخر المؤلم للقضية ، فقدوم آلاف اللبنانين فقط في العطل، يعني أن هؤلاء إضطروا بسبب فشل أركان الدولة ” للهروب ” إلى مشارق الأرض ومغاربها لجني رزقهم والعيش بكرامة فقدوها في وطنهم ، حسب مقولة ” مجبر أخاك لا بطل ” ، بدلا من يعيشوا في أحضان وطنهم بقرب عائلاتهم ويستفيد كل الوطن من طاقاتهم وعطائهم ، فلا يخفى على أحد أن في لبنان طاقات بشرية مذهلة قادرة على النهوض بكفاءة باقتصادات دول أكبر وأهم من لبنان، والأدلة كثيرة على نجاح رجال الأعمال وحاملي الشهادات العليا والمهن الحرفية على كل المستويات وفي كل أصقاع الأرض، حيث لا تقف في درب نجاحاتهم لا محسوبيات ولا مرجعيات ، وحيث تقدر انجازاتهم وتحمى من الوطن المضيف ، حتى باتت بعض الدول لا تتفهم وتستغرب كيف استطاع شعب متعلم متحضر ولامع في الاغتراب أن يسحق في وطنه الأم .. الجواب بسيط ، الأم تائهة غائبة لا تحمي ولا ترعى أولادها كما تفعل أصغر وأبسط حيوانات الأرض .. ضعوا طعاما أمام كلبة وصغارها، لن تقترب الأم قبل أن ينهي أولادها الطعام وتأكل ما تبقى . ليت هذا الوطن يعتبرنا كلابه الصغيرة فيحمينا ويطعمنا بدل أن يأكلنا ويصون ويحمي من سرقنا وسرق مستقبل ابنائنا. ..
وطني الحبيب،
نتألم لأننا أحببناك وسوف نبقى نحبك إلى آخر رمق مهما تقاذفتنا الرياح العاتية وفرقتنا الرؤوس الحامية الخاوية .
كلما كرهتك ، أخذت علاجي اليومي صباحا ومساء ، أغاني السيدة فيروز من ” وطني ” إلى “خذني زرعني بأرض لبنان ” لتشعل في قلبي حبا لوطن ضائع ، أرسم له في خيالي وقلبي صورة جميلة علها تعود يوما ….
أختم بحديث هز مشاعري ، فلقد جلست بجانبي سيدة سبعينية في الطائرة خلال عودتي إلى فرنسا، وكانت متجهة إلى كندا حيث تعيش مع عائلتها منذ ثلاثين عاما ، وبعد تبادل الأحاديث عن لبنان وألم الاغتراب ، ختمت حديثها بالآتي : “أوصيت أولادي بعد مماتي أن يدفنوني في لبنان ، فأنا لم أنعم يوما بالحياة على أرضه ، علني أرتاح وأنعم به وأنا في باطنه “.. قالتها ودمعتها سجينة جفونها المتعبة، وقالت لي: “أعذرني سوف أنام قليلا فرحلتي طويلة”. واستدركت نفسها موضحة “رحلتي طويلة إلى باطن الأرض…”
إلى القلوب المستنيرة الصابرة على الآمها ..
تصبحون على وطن..



